فلو لا ما رآه من البرهان لكان الواقع هو الهم والاقتراب دون الارتكاب والاقتراف ، وقد أشار سبحانه الى ذلك بقوله : (لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ) ولم يقل : لنصرفه عن السوء والفحشاء فتدبر فيه.
ومن هنا يظهر أن الأنسب أن يكون المراد بالسوء هو الهمّ بها والميل اليها كما أن المراد بالفحشاء اقتراف الفاحشة وهي الزنا فهو عليهالسلام لم فعل ولم يكد ، ولولا ما أراه الله من البرهان لهمّ وكاد أن يفعل ، وهذا المعنى هو الذي يؤيده ما قدمناه من الاعتبار والتأمل في الأسباب والعوامل المجتمعة في هذا الحين القاضية لها عليه.
فقوله تعالى : (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) اللام فيه للقسم ، والمعنى وأقسم لقد قصدت يوسف بما تريده منه ولا يكون الهم إلّا بأن تشفع الإرادة بشيء من العمل.
وقوله : (وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ) معطوف على مدخول لام القسم من الجملة السابقة ، والمعنى أقسم لولا رؤيته برهان ربه لهمّ بها وكاد أن يجيبها لما تريده منه.
والبرهان هو السلطان ويراد به السبب المفيد لليقين لتسلطه على القلوب كالمعجزة قال تعالى : (فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ) (القصص / ٣٢) ، وقال : (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ) (النساء / ١٧٤) ، وقال : (أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (النمل / ٦٤) وهو الحجة اليقينية التي تجلي الحق ولا تدع ريبا لمرتاب.
والذي رآه يوسف عليهالسلام من برهان ربه وإن لم يوضحه كلامه تعالى كل الإيضاح لكنه ـ على أي حال ـ كان سببا من أسباب اليقين لا يجامع الجهل والضلال بتاتا ، ويدل على أنه كان من قبيل العلم قول يوسف عليهالسلام فيما يناجي ربه كما سيأتي : (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ) (الآية ٣٣ من السورة) ، ويدل على أنه ليس من العلم المتعارف بحسن الأفعال وقبحها ومصلحتها ومفسدتها أن هذا النوع من العلم قد
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
