بيان :
قوله تعالى : (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) بلوغ الأشد أن يعمر الإنسان ما تشتد به قوى بدنه وتتقوى به أركانه بذهاب آثار الصباوة ، ويأخذ ذلك من ثمانية شرّ من عمره الى سن الكهولة التي عندها يكمل العقل ويتم الرشد.
والظاهر أن المراد به الانتهاء الى أول سن الشباب دون التوسط فيه أو الانتهاء الى آخره كالأربعين ، والدليل عليه قوله تعالى في موسى عليهالسلام : (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً) (القصص / ١٤) حيث دل على التوسط فيه بقوله : (اسْتَوى) ، وقوله : (حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ) الآية ؛ (الأحقاف / ١٥) فلو كان بلوغ الأشد هو بلوغ الأربعين لم تكن حاجة الى تكرار قوله : (بَلَغَ).
وقوله : (آتَيْناهُ حُكْماً) الحكم هو القول الفصل وإزالة الشك والريب من الامور القابلة للاختلاف ـ على ما يتحصل من اللغة ـ ولازمه إصابة النظر في عامة المعارف الإنسانية الراجعة الى المبدأ والمعاد والأخلاق النفسانية والشرائع والآداب المرتبطة بالمجتمع البشري.
وبالنظر الى قوله عليهالسلام لصاحبيه في السجن : (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) (الآية ٤٠ من السورة) ، وقوله بعد : (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ) (الآية ٤١ من السورة) ، يعلم أن هذا الحكم الذي أوتيه كان هو حكم الله فكان حكمه حكم الله ، وهذا هو الذي سأله إبراهيم عليهالسلام من ربه إذ قال : (رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (الشعراء / ٨٣).
وقوله : (وَعِلْماً) وهذا العلم المذكور المنسوب الى إيتائه تعالى كيفما كان وأي مقدار كان علم لا يخالطه جهل كما أن الحكم المذكور معه حكم لا يخالطه هوى نفساني ولا
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
