(يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ) (القصص / ٥٧) ففي معنى الاجتباء جمع أجزاء الشيء وحفظها من التفرّق والتشتت ، وفيه سلوك وحركة من الجابي نحو المجبيّ فاجتباه الله سبحانه عبدا من عباده هو أن يقصده برحمته ويخصّه بمزيد كرامته فيجمع شمله ويحفظه من التفرق في السبل المتفرّقة الشيطانية المفرقة للإنسان ويركبه صراطه المستقيم وهو أن يتولّى أمره ويخصه بنفسه فلا يكون لغيره فيه نصيب كما أخبر تعالى بذلك في يوسف عليهالسلام إذ قال (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ) (الآية ٢٤ من السورة).
وقوله : (وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ) التأويل هو ما ينتهي اليه الرؤيا من الأمر الذي تتعقبه ، وهو الحقيقة التي تتمثل لصاحب الرؤيا في رؤياه بصورة من الصور المناسبة لمداركه ومشاعره كما تمثل سجدة أبوي يوسف وإخوته الأحد عشر في صورة أحد عشر كوكبا والشمس والقمر وخرورها أمامه ساجدة له ، وقد تقدم استيفاء البحث عن معنى التأويل في تفسير قوله : (فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ) الآية ، (آل عمران / ٧) في الجزء الثالث من الكتاب.
والأحاديث جمع الحديث وربما اريد به الروّي لأنها من حديث النفس فان نفس الانسان تصور له الامور في المنام كما يصور المحدث لسماعه الامور في اليقظة فالرؤيا حديث مثله ومنه يظهر ما في قول بعضهم : إن الرؤي سمّيت أحاديث باعتبار حكايتها والتحديث بها وهو كما ترى.
وقوله : (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ) قال الراغب في المفردات : النعمة (بالكسر فالسكون) الحالة الحسنة ، وبناء النعمة بناء الحالة التي يكون عليها الإنسان كالجلسة والركبة ، والنعمة (بالفتح فالسكون) التنعم وبناؤها بناء المرّة من الفعل كالضربة والشتمة ، والنعمة للجنس تقال للقليل والكثير.
قال : والإنعام إيصال الإحسان الى الغير ، ولا يقال إلّا إذا كان الموصل اليه من جنس
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
