المكيال والميزان لا يكفي في إعطاء هذا الأمر حقه ـ وإنما نهى عنه اولا لتكون معرفة إجمالية هي كالمقدمة لمعرفة التكليف تفصيلا ـ بل يجب أن يوفي الكائل والوازن مكياله وميزانه ويعطياهما حقهما ولا يبخسا ولا ينقصا الأشياء المنسوبة الى الناس بالمعاملة حتى يعلما انهما اديا الى الناس اشياءهم وردا اليهم ما لهم على ما هو عليه.
وقوله : (وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) قال الراغب : العيث والعثي يتقاربان نحو جذب وجبذ إلّا ان العيث اكثر ما يقال في الفساد الذي يدرك حسا والعثي فيما يدرك حكما يقال : عثي يعثى عثيا ، وعلى هذا (وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) وعثا يعثو عثوا. انتهى.
وعلى هذا فقوله : (مُفْسِدِينَ) حال من ضمير (لا تَعْثَوْا) لإفادة التأكيد نظير ما يفيده قولنا : لا تفسدوا إفسادا.
والجملة اعني قوله : (وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) نهي مستأنف عن الفساد في الارض من قتل او جرح او أي ظلم مالي او جاهي او عرضي لكن لا يبعد ان يستفاد من السياق كون الجملة عطفا تفسيريا للنهي السابق فيكون نهيا تأكيديا عن التطفيف ونقص المكيال والميزان لأنه من الفساد في الأرض.
قوله تعالى : (بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) البقية بمعنى الباقى والمراد به الربح الحاصل للبائع وهو الذي يبقى له بعد تمام المعاملة فيضعه في سبيل حوائجه ، وذلك ان المبادلة وإن لم يوضع بالقصد الأول على أساس الاسترباح ، وإنما كان الواحد منهم يقتني شيئا من متاع الحياة ، فإذا كان يزيد على ما يحتاج اليه بدّل الزائد المستغنى عنه من متاع آخر يحتاج اليه ولا يملكه ثم اخذت نفس التجارة وتبديل الأمتعة من الأثمان حرفة يكتسب بها المال ويقتنى بها الثروة فأخذ الواحد منهم متاعا من نوع واحد او انواع شتى وعرضه على أرباب الحاجة للمبادلة ، وأضاف الى
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
