بيان :
قوله تعالى : (وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) تقدم الكلام في نظيرة الآية في قصه هود.
قوله تعالى : (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) الى آخر الآية ؛ قال الراغب الإنشاء إيجاد الشيء وتربيته وأكثر ما يقال ذلك في الحيوان قال (هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ.) انتهى ، وقال : العمارة ضد الخراب يقال : عمر أرضه يعمرها عمارة قال (وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) يقال : عمرته فعمر فهو معمور قال (وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها) (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) وأعمرته الأرض واستعمرته إذا فوّضت اليه العمارة قال (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) انتهى ، فالعمارة تحويل الارض الى حال تصلح بها أن ينتفع من فوائدها المترقّبة منها كعمارة الدار للسكنى والمسجد للعبادة والزرع للحرث والحديقة لاجتناء فاكهتها والتنزه فيها والاستعمار هو طلب العمارة بأن يطلب من الانسان أن يجعل الأرض عامرة تصلح لأن ينتفع بما يطلب من فوائدها.
وعلى ما مرّ يكون معنى قوله : (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) ـ والكلام يفيد الحصر ـ أنه تعالى هو الذي اوجد على المواد الارضية هذه الحقيقة المسماة بالإنسان ثم كمّلها بالتربية شيئا فشيئا وأفطره على ان يتصرف في الأرض بتحويلها الى حال ينتفع بها في حياته ، ويرفع بها ما يتنبّه له من الحاجة والنقيصة اي إنكم لا تفتقرون في وجودكم وبقائكم إلا اليه تعالى وتقدّس.
فقول صالح : هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها في مقام التعليل وحجة يستدل بها على ما ألقاه اليهم من الدعوة بقوله : (يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) ولذلك جيء بالفصل كأنه قيل له : لم نعبده وحده؟ فقال : لأنه هو الذي أنشأكم من
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
