بيان :
قوله تعالى : (وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ) الابتئاس من البؤس وهو حزن مع استكانة.
وقوله : (لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) إيئاس وإقناط له عليهالسلام من إيمان الكفار من قومه بعد ذلك ، ولذلك فرّع عليه قوله : (فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ) لأن الداعي الى أمر إنما يبتئس ويغتمّ من مخالفة المدعوين وتمردهم ما دام يرجو منهم الإيمان والاستجابة لدعوته ، وأما إذا يئس من إجابتهم فلا يهتم بهم ولا يتعب نفسه في دعوتهم الى السمع والطاعة والإلحاح عليهم بالإقبال اليه ولو دعاهم بعدئذ فإنما يدعوهم لغرض آخر كإتمام الحجة وإبراز المعذرة.
وعلى هذا ففي قوله : (فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ) تسلية من الله لنحو عليهالسلام وتطييب لنفسه الشريفة من جهة ما في الكلام من الإشارة الى حلول حين فصل القضاء بينه وبين قومه ، وصيانة لنفسه من الوجد والغم لما كان يشاهد من فعلهم به وبالمؤمنين به من قومهم من إيذائهم إياهم في دهر طويل (مما يقرب من ألف سنة) لبث فيه بينهم.
قوله تعالى : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) الفلك هي السفينة مفردها وجمعها واحد والأعين جمع قلة للعين وإنما جمع للدلالة على كثرة المراقبة وشدتها فإن الجملة كناية عن المراقبة في الصنع.
وذكر الأيّن قرينة على أن المراد بالوحي ليس هو هذا الوحي أعني قوله : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ) الخ ؛ حتى يكون وحيا للحكم بل وحي في مقام العمل وهو تسديد وهداية عملية بتأييده بروح القدس الذي يشير اليه أن افعل كذا وافعل كذا كما ذكره تعالى في الأئمة من آل ابراهيم عليهمالسلام بقوله : (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
