وقوله : (هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) تعليل لقوله : (وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي) الخ ؛ أو لقوله : «إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ ـ الى قوله ـ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ» جميعا ومحصله أن أمر تدبير العباد الى الرب الذي اليه يرجع الامور ، والله سبحانه هو ربكم وإليه ترجعون فليس لي أن آتيكم بعذاب موعود ، وليس لكم أن تعجزوه إن شاء أن يأتيكم بالعذاب فأتاكم به لاستئصالكم وليس لنصحي أن ينفعكم إن أراد هو أن يغويكم ليعذبكم.
قوله تعالى : (أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ) أصل الجرم ـ على ما ذكره الراغب في مفرداته ـ قطع الثمرة من الشجرة وأجرم أي صار ذا جرم ، واستعير لكل اكتساب مكروه فالجرم بضم الجيم وفتحها بمعنى الاكتساب المكروه وهو المعصية ، والآية ، واقعة موقع الاعتراض ، والنكتة فيه أن دعوة نوح واحتجاجاته على وثنية قومه وخاصة ما أورده الله تعالى في هذه السورة من احتجاجه أشبه شيء بدعوة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، واحتجاجه على وثنية أمّته.
وإن شئت زيادة تصديق في ذلك فارجع الى سورة الأنعام ـ وهي في الحقيقة سورة الاحتجاج ـ وقابل ما حكاه الله تعالى عن نوح في هذه السورة ما أمر الله به النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في تلك السورة بقوله : «قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ـ الى أن قال ـ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ ـ الى أن قال ـ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ».
ولك أن تطبّق سائر ما ذكر من حججه عليهالسلام في سورة نوح والأعراف على ما ذكر من الحجج في سورة الأنعام وفي هذه السورة فتشاهد صدق ما ادّعيناه.
وفي قوله : (وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ) إثبات إجرام مستمر لهم وقد أرسل إرسال المسلّمات كما في قوله : (فَعَلَيَّ إِجْرامِي) من إثبات الجرم وذلك أن الذي ذكر من حجج نوح إن كان من الافتراء كان كذبا من حيث إن نوحا عليهالسلام لم يحتج بهذه الحجج وهي حقّة ،
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
