أنظر الى قوله : (لا أَقُولُ لَكُمْ) الخ ؛ ثم الى قوله : (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ) ثم الى قوله : (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ) الخ ؛ فهو ينفي أولا الفضل الذي يتوقعه عامة الناس من نبيهم ثم يثبت للرسول الرسالة فحسب ثم يبادل الى إثبات الفضل من جهة أخرى غير الجهة التي يتوقعها الناس وهو أنه بصير بإبصار الله تعالى وأن غيره بالنسبة اليه كالأعمى بالنسبة الى البصير وهذا هو الموجب لاتباعهم له كما يتّبع الأعمى البصير ، وهو المجوّز له أن يدعوهم الى اتباعه (١).
قوله تعالى : (وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) قال في المفردات : زريت عليه عبته وأزريت به قصدت به وكذلك ازدريت به وأصله افتعلت قال : تزدري أعينكم أي تستقلّهم تقديره تزدريهم أعينكم أي تستقلّهم وتستهين بهم. انتهى.
وهذا الفصل من كلامه عليهالسلام إشارة الى ما كان يعتقده الملأ الذين كفروا من قومه وبنوا عليه سنّة الاشرافية وطريقة السيادة ، وهو أنّ أفراد الإنسان تنقسم الى قسمين الأقوياء والضعفاء ، أمّا الأقوياء فهم أولوا الطول وأرباب القدرة المعتضدون بالمال والعدّة ، وأمّا الضعفاء فهم الباقون. والأقوياء هم السادة في المجتمع الانساني لهم النعمة والكرامة ، ولأجلهم انعقاد المجتمع ، وغيرهم من الضعفاء مخلوقون لأجلهم مقصودون لهم أضاحي منافعهم كالرعيّة بالنسبة الى كرسيّ الحكومة المستبدّة ، والعبيد بالنسبة الى الموالي ، والخدم والعملة بالنسبة الى المخدومين والنساء بالنسبة الى الرجال ، وبالأخرة كل ضعيف بالنسبة الى القوي المستعلي عليه.
وبالجملة كان معتقدهم أن الضعيف في المجتمع إنسان منحطّ أو حيوان في صورة إنسان
__________________
(١) هود ٢٥ ـ ٣٥ : كلام في قدرة الانبياء والاولياء فلسفي وقرآني.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
