الافراد والبعض والكل ، والفرد الواحد والافراد الكثيرون فيه واحد ، ولازم هذا المعنى أن يكون قتل النفس الواحدة بمنزلة قتل نوع الانسان وبالعكس احياء النفس الواحدة بمنزلة احياء الناس جميعا ، وهو الذي تفيده الآية الشريفة.
وأما قوله تعالى : (وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) فالكلام فيه كالكلام في الجملة السابقة ، والمراد بالاحياء ما يعد في عرف العقلاء إحياء كإنقاذ الغريق وإطلاق الأسير ، وقد عد الله تعالى في كلامه الهداية الى الحق إحياء قال تعالى : (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) (الأنعام / ١٢٢) فمن دل نفسا الى الايمان فقد أحياها.
وأما قوله تعالى : (وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ) فهو معطوف على صدر الآية أي ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات يحذرونهم القتل وكل ما يلحق به من وجوه الفساد في الارض.
وأما قوله تعالى : (ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) فهو متمم للكلام ، بانضمامه إليه يستنتج الغرض المطلوب من البيان ، وهو ظهور أنهم قوم مفسدون مصرون على استكبارهم وعتوهم فلقد بينا لهم منزلة القتل وجاءتهم رسلنا فيها وفي غيرها بالبينات ، وبينوا لهم وحذروهم مع ذلك لم ينتهوا عن إصرارهم على العتو والاستكبار فأسرفوا في الارض قديما ولا يزالون يسرفون.
والإسراف الخرج عن القصد وتجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان ، وإن كان يغلب عليه الاستعمال في مورد الإنفاق كقوله تعالى : (وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً) (الفرقان / ٦٧) على ما ذكره الراغب في المفردات (١) (٢).
__________________
(١) المائدة ٢٧ ـ ٣٢ : بحث روائي في : ابني آدم وقتل احدهما الآخر ؛ مجازات القاتل في الآخرة ؛ قتل الانسان واحياؤه.
(٢) المائدة ٢٧ ـ ٣٢ ، بحث علمي وتطبيق بين القرآن والتوراة حول ابني آدم.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
