الغير على أن يجبر الآخر لكن تعورف في الإكراه المجرد فقيل : أجبرته على كذا كقولك : أكرهته. قال : والجبّار في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصة بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها ، وهذا لا يقال إلا على طريق الذم كقوله عزوجل (وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) وقوله تعالى : (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا) وقوله عزوجل (إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ) قال : ولتصوّر القهر بالعلوّ على الاقران قيل : نخلة جبارة وناقة جبارة انتهى موضع الحاجة.
فظهر أن المراد بالجبارين هم أولوا السطوة والقوة من الذين يجبرون الناس على ما يريدون.
وقوله : (وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها) اشتراط منهم خروج القوم الجبارين في دخول الارض ، وحقيقته الرد لأمر موسى وإن وعدوه ثانيا الدخول على الشرط بقولهم (فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ).
قوله تعالى : (قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا) الى آخر الآية ؛ ظاهر السياق أن المراد بالمخافة مخافة الله سبحانه وأن هناك رجالا كانوا يخافون الله أن يعصوا أمره وأمر نبيه ، ومنهم هذا الرجلان اللذان قالا ما قالا ، وأنهما كانا يختصان من بين اولئك الذين يخافون بأن الله أنعم عليهما ، وقد مر في موارد تقدمت من الكتاب أن النعمة اذا اطلقت في عرف القرآن يراد بها الولاية الالهية فهما كانا من أولياء الله تعالى ، وهذا في نفسه قرينة على أن المراد بالمخافة مخافة الله سبحانه فإن أولياء الله لا يخشون غيره قال تعالى : (أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس / ٦٢).
ويمكن أن يكون متعلق «أنعم» المحذوف أعني المنعم به هو الخوف ، فيكون المراد أن الله أنعم عليهما بمخافته ، ويكون حذف مفعول (يَخافُونَ) للاكتفاء بذكره في قوله : (أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا) اذ من المعلوم أن مخافتهما لم يكن من اولئك القوم الجبارين والالم يدعوا بني اسرائيل الى الدخول بقولهما (ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ).
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
