الأشياء فله الملك المطلق في السماوات والارض وما بينهما فخلقه ما يشاء وقدرته على كل شيء هو البرهان على ملكه كما أن ملكه هو البرهان على أن له أن يريد إهلاك الجميع ثم يمضي إرادته لو أراد ، وهو البرهان على أنه لا يشاركه أحد منهم في أولوهيته.
وأما البرهان على نفوذ مشيّته وشمول قدرته فهو أنه الله عز اسمه ، ولعله لذلك كرر لفظ الجلالة في الآية مرات فقد آل فرض الالوهية في شيء الى أنه لا شريك له في أولوهيته.
قوله تعالى : (وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) لا ريب أنهم لم يكونوا يدّعون البنوة الحقيقية كما يدّعيه معظم النصارى للمسيح عليهالسلام فلا اليهود كانت تدّعي ذلك حقيقة ولا النصارى ، وإنما كانوا يطلقونها على أنفسهم إطلاقا تشريفيا بنوع من التجوّز ، وقد ورد في كتبهم المقدسة هذا الاطلاق كثيرا كما في حق آدم (١) ويعقوب (٢) وداود (٣) واقوام (٤) عيسى (٥) واطلق (٦) أيضا على صلحاء المؤمنين.
وكيف كان فإنما اريد بالابناء أنهم من الله سبحانه بمنزلة الابناء من الاب ، فهم بمنزلة أبناء الملك بالنسبة إليه المنحازين عن الرعية المخصوصين بخصيصة القرب المقتضية أن لا يعامل معهم معاملة الرعية كأنهم مستثنون عن إجراء القوانين والاحكام المجراة بين الناس لأن تعلقهم بعرش الملك لا يلائم مجازاتهم بما يجازي به غيرهم ولا إيقافهم موقفا توقف فيه سائر الرعية ، فلا يستهان بهم كما يستهان بغيرهم فكل ذلك لما تتعقبه علقة النسب من علقة الحب
__________________
(١) آية ٣٨ من الاصحاح الثالث من انجيل لوقا.
(٢) آية ٢٢ من الاصحاح الرابع من سفر الخروج من التوراة.
(٣) آية ٧ من المزمور ٢ من مزامير داود.
(٤) آية ٩ من الاصحاح ٣١ من نبوة أرميا.
(٥) آية ٩ من الاصحاح ٥ إنجيل متى ، وفي غيره من الاناجيل.
(٦) موارد كثيرة من الاناجيل وملحقاتها.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
