سبيل الغي وترك سبيل الرشد بعد رؤيتهما وهي العلم بهما ثم بدّل ذلك بتوصيفهم بتكذيب الآيات ، والآية إنما تكون آية بعد العلم بدلالتها ، ثم فسّره بتكذيب الآخرة لما أن الآخرة لو لم تكذّب منع العلم بها عن ترك الحق ، ثم أخبر بحبط أعمالهم.
ونظير ذلك قوله تعالى : (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً) (الكهف / ١٠٥) وانطباق الآيات على مورد الكفر بالإيمان بالمعنى الذي تقدّم بيانه ظاهر.
وبالتأمل فيما ذكرنا يظهر وجه اتصال الجملة أعني قوله : (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) ، بما قبله فالجملة متممة للبيان السابق ، وهي في مقام التحذير عن الخطر الذي يمكن ان يتوجه الى المؤمنين بالتساهل في أمر الله ، والاسترسال مع الكفار فإن الله سبحانه إنما أحل طعام أهل الكتاب والمحصنات من نسائهم للمؤمنين ليكون ذلك تسهيلا وتخفيفا منه لهم ، وذريعة الى انتشار كلمة التقوى ، وسراية الأخلاق الطاهرة الاسلامية من المسلمين المتخلقين بها الى غيرهم ، فيكون داعية الى العلم النافع ، وباعثة نحو العمل الصالح.
فهذا هو الغرض من التشريع لا لأن يتخذ ذلك وسيلة الى السقوط في مهابط الهوى ، والإصعاد في أودية الهوسات ، والاسترسال في حبهن والغرام بهن ، والتولّه في جمالهن ، فيكن قدوة تتسلط بذلك أخلاقهن وأخلاق قومهن على أخلاق المسلمين ، ويغلب فسادهن على صلاحهم ، ثم يكون البلوى ويرجع المؤمنون الى أعقابهم القهقرى ، ومآل ذلك عود هذه المنّة الالهية فتنة ومحنة مهلكة ، وصيرورة هذا التخفيف الذي هو نعمة نقمة.
فحذّر الله المؤمنين بعد بيان حلّيّة طعامهم والمحصنات من نسائهم أن لا يسترسلوا في التنعم بهذه النعمة استرسالا يؤدي الى الكفر بالايمان ، وترك أركان الدين ، والإعراض عن
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
