وبسط اليد معناه واضح غير أن المراد به معنى كنائي ، ويختلف باختلاف الموارد فبسط الغني يده جوده بماله وإحسانه لمن يستحقه ، وبسط الملك يده إدراته أمور مملكته من غير أن يزاحمه مزاحم وبسط المأمور الغليظ الشديد يده على المجرم المأخوذ به هو نكاله وإيذاؤه بضر وزجر ونحوه.
فبسط الملائكة أيديهم هو شروعهم بتعذيب الظالمين ، وظاهر السياق أن الذي تفعله الملائكة بهؤلاء الظالمين هو الذي يترجم عنه قوله : (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ) الخ ؛ فهذه الجمل محكية عن الملائكة لا من قول الله سبحانه ، والتقدير : يقول الملائكة لهم أخرجوا أنفسكم ، الخ ؛ فهم يعذبونهم بقبض أرواحهم قبضا يذوقونه به أليم العذاب وهذا عذابهم حين الموت ولما ينتقلوا من الدنيا الى ما وراءها ولهم عذاب بعد ذلك ولما تقم عليهم القيامة كما يشير إليه قوله تعالى : (وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (المؤمنون / ١٠٠).
وبذلك يظهر أن المراد باليوم في قوله : (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ) هو يوم الموت الذي يجزون فيه العذاب وهو البرزخ كما ظهر أن المراد بالظالمين هم المرتكبون لبعض المظالم الثلاثة التي عدها الله سبحانه من أشد الظلم أعني افتراء الكذب على الله ، ودعوى النبوة كذبا والاستهزاء بآيات الله.
ويؤيد ذلك ما ذكره الله من أسباب عذابهم من الذنوب وهو قوزم على الله غير الحق كما هو شأن المفتري الكذب على الله بنسبة الشريك إليه أو بنسبة حكم تشريعي أو وحي كاذب إليه ، واستكبارهم عن آيات الله كما هو شأن من كان يقول : (سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ).
وكذلك قوله : (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) أمر تكويني لأن الموت والوفاة ليس في قدرة الإنسان كالحياة حتى يؤمر بذلك قال تعالى : (وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا) (النجم / ٤٤) فالأمر تكويني والملائكة من أسبابه ، والكلمة مصوغة صوغ الاستعارة بالكناية والاستعارة
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
