فالهدى إنما يكون هدى ـ حق الهدى ـ اذا كان من الله سبحانه ، والهدى إنما يكون هدى الله اذا أورد المتلبس به صراطا مستقيما اتفق على الورود فيه أصحاب الهدى وهم الأنبياء المكرمون عليهمالسلام ، واتفق أجزاء ذلك الصراط في الدعوة الى كلمة التوحيد وإقامة دعوة الحق والاتسام بسمة العبودية والتقوى.
أما الطريق الذي يفرّق فيه بين رسل الله فيؤمن فيه ببعض ويكفر ببعض أو يفرّق فيه بين أحكام الله وشرائعه فيؤخذ فيه ببعض ويترك بعض ، والطرق التي لا تضمن سعادة حياة المجتمع الإنساني أو يسوق الى بعض ما ليس فيه السعادة الإنسانية فتلك هي الطرق التي لا مرضاة فيها لله سبحانه وقد انحرفت فيها عن شريعة الفطرة الى مهابط الضلال ومزالق الأهواء ، والاهتداء إليها ليس اهتداء بهدى الله سبحانه.
قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ، أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا) (النساء / ١٥١) وقال : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ) (البقرة / ٨٥) وقال : (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (القصص / ٥٠) يريد أن الطريق الذي فيه اتباع الهوى إنما هو ضلال لا يورد سالكه سعادة الحياة وليس بهدى الله لأن فيه ظلما والله سبحانه لم يجعل الظلم ولن يجعله مما يتوسل به الى سعادة ولا أن السعادة تنال بظلم.
وبالجملة هدى الله سبحانه من خاصته أنه لا يشتمل على ضلال ولا يجامع ضلالا بالتأدية إليه ، وإنما هو الهدى محضا تتلوه السعادة محضة عطاء غير مجذوذ لكن لا على حد العطايا المعمولة فيما بيننا التي ينقطع معها ملك المعطي (بالكسر) عن عطيته وينتقل الى المعطى (بالفتح) فيحوزه على أي حال سواء شكر أو كفر.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
