والتضرع إظهار الضراعة وهو الذل والخضوع على ما ذكره الراغب ، ولذلك قوبل بالخفية وهو الخفاء والإستتار فالتضرع والخفية في الدعاء هما الإعلان والإسرار فيه ، والإنسان اذا نزلت به المصيبة يبتديء فيدعو للنجاة بالإسرار والمناجاة ثم اذا اشتدت به ولاح بعض آثار اليأس والإنقطاع من الأسباب لا يبالي بمن حوله ممن يطّلع على ذلته واستكانته فيدعو بالتضرع والمناداة ففي ذكر التضرع والخفية إشارة الى أنه تعالى هو المنجي من مصائب البر والبحر شديدتها ويسيرتها.
وفي قوله : (لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) إشارة الى أن الإنسان يضيف في هذه الحالة التي يدعو لكشفها الى دعائه عهدا يقدمه الى ربه ووعدا يعده به أن لو كشف الله عنه ليكونن من الشاكرين ويرجع عن سابق كفره.
وأصل هذه العدة مأخوذ من العادة الجارية بين أفراد الإنسان بعضهم مع بعض فإن الواحد منا اذا أعيته المذاهب وأحاطت به البلية من مصيبة قاصمة أو فقر أو عدو واستغاث لكشف ما به من كرب الى أحد الأقوياء القادرين على كشفه بزعمه وعده بما يطيّب به نفسه ويقوّي باعث عزيمته وفتوته ، وذلك بثناء جميل أو مال أو طاعة أو وفاء كل ذلك لما أن الأعمال الإجتماعية التي تدور بيننا كلها معاملات قائمة بطرفين يعطي فيها الإنسان شيئا ويأخذ شيئا لأن الحاجة محيطة بالإنسان ليس له أن يعمل عملا أو يؤثر أثرا إلا لنفع عائد الى نفسه ، ومثله سائر أجزاء الكون.
لكن الله سبحانه أكرم ساحة أن تمسه حاجة أو يطرأ عليه منقصة لا يفعل فعلا إلا ليعود نفعه الى غيره من خليقته فوجه التوحيد في مقابلة الإنسان له بوعد الشكر والطاعة في دعائه الفطري هو أن الإنسان اذا نزلت به النازلة ، وانقطعت عنه الأسباب وغابت عن مسرح نظره وسائل الخلاص وجد أن الله سبحانه هو السبب الوحيد الذي يقدر على كشف ما به من غم ، وأنه الذي يدبّر أمره منذ خلقه ويدبر أمر كل سبب فوجد نفسه ظالما مفرطا في جنب الله
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
