وقوله : (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) أي وجه الله ، قال الراغب في مفرداته : أصل الوجه الجارحة قال : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ، وتغشى وجوههم النار ، ولما كان الوجه أول ما يستقبلك وأشرف ما في ظاهر البدن استعمل في مستقبل كل شيء وفي أشرفه ومبدئه فقيل : وجه كذا ووجه النهار ، وربما عبّر عن الذات بالوجه في قول الله : ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ، قيل : ذاته ، وقيل : أراد بالوجه ههنا التوجه الى الله بالأعمال الصالحة.
وقال : فأينما تولوا فثم وجه الله ، كل شيء هالك إلا وجهه ، يريدون وجه الله ، إنما نطعمكم لوجه الله ، قيل : إن الوجه في كل هذا ذاته ويعني بذلك كل شيء هالك إلا هو وكذا في أخواته ، وروي أنه قيل ذلك لأبي عبد الله بن الرضا فقال : سبحان الله لقد قالوا قولا عظيما إنما عنى الوجه الذي يؤتي منه ومعناه : كل شيء من أعمال العباد هالك وباطل إلا ما أريد به الله ، وعلى هذا الآيات الاخر ، وعلى هذا قوله : يريدون وجهه ، يريدون وجه الله ، انتهى (١).
وقوله : (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) الدخول في جماعة الظالمين متفرع على طردهم أي طرد الذين يدعون ربهم فنظم الكلام بحسب طبعه يقتضي أن يفرّع قوله : (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) ، على قوله في أول الآية : (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ) الخ ؛ إلا أن الكلام لما طال بتخلل جمل بين المتفرع والمتفرع عليه أعيد لفظ الطرد ثانيا في صورة الفرع ليتفرع عليه قوله : (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) بنحو الاتصال ويرتفع اللبس.
فلا يرد عليه أن الكلام مشتمل على تفريع الشيء على نفسه فإن ملخصه : ولا تطرد الذين يدعون ربهم فتطردهم ، وذلك أن إعادة الطرد ثانيا لإيصال الفرع أعني قوله : (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) ، الى أصله كما عرفت.
قوله تعالى : (وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا) الى آخر الآية ؛ الفتنة هي
__________________
(١) الانعام ٣٧ ـ ٥٥ : كلام في معنى وجه الله.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
