فالمراد بنفي علم الغيب نفي أن يكون مجهزا في وجوده بحسب الطبع بما لا يخفى عليه معه ما لا سبيل للإنسان بحسب العاده الى العلم به من خفيات الامور كائنة ما كانت.
وأما قوله : (وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) فهو كناية عن نفي آثار الملكية من أنهم منزهون عن حوائج الحياة المادية من أكل وشرب ونكاح وما يلحق بذلك ، وقد عبّر عنه في مواضع اخرى بقوله : (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَ) (الكهف / ١١٠) ، وإنما عبّر عن ذلك ههنا بنفي الملكية دون إثبات البشرية ليحاذي به ما كانوا يقترحونه عليه عليهالسلام بمثل قولهم : (ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ) (الفرقان / ٧).
فمعنى قوله : (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ) الخ ؛ قل : لم أدّع فيما أدعوكم إليه وأبلّغكمو أمرا وراء ما أنا عليه من متعارف حال الإنسان حتى تبكّتوني بألزامي بما تقترحونه مني فلم أدّع أني أملك خزائن الالوهية حتى تقترحوا أن أفجّر أنهارا أو أخلق جنة أو بيتا من زخرف ، ولا ادعيت أني أعلم الغيب حتى أجيبكم عن كل ما هو مستور تحت أستار الغيوب كقيام الساعة ولا ادعيت أني ملك حتى تعيبوني وتبطلوا قولي بأكل الطعام والمشي في الاسواق للكسب.
قوله تعالى : (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ) بيان لما يدعيه حقيقة بعد رد ما اتهموه به من الدعوى من جهة دعواه الرسالة من الله إليهم أي ليس معنى قولي : إني رسول الله إليكم أن عندي خزائن الله ولا أني أعلم الغيب ولا أني ملك بل أن الله يوحي الى بما يوحي.
ولم يثبته في صورة الدعوى بل قال (إِنْ أَتَّبِعُ) الخ ؛ ليدل على كونه مأمورا بتبليغ ما يوحى إليه ليس له الا اتباع ذلك فكأنه لما قال : لا أقول لكم كذا ولا كذا ولا كذا قيل له : فإذا كان كذلك وكنت بشرا مثلنا وعاجزا كأحدنا لم تكن لك مزية علينا فما ذا تريد منا؟ فقال : إن أتبع إلا ما يوحي إلي أن أبشركم وانذركم فأدعوكم إلى دين التوحيد.
قوله تعالى : (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ) الى آخر الآية ؛ الضمير في «به» راجع الى القرآن وقد دل عليه قوله في الآية السابقة : (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
