كتابا مكتوبا فيه كل شيء مما كان وما يكون وما هو كائن ، كان المعنى أن هذه النظامات الاممية المماثلة لنظام الانسانية كان من الواجب في عناية الله سبحانه أن يبني عليها خلقة الأنواع الحيوانية فلا يعود خلقها عبثا ولا يذهب وجودها سدى ، ولا تكون هذه الأنواع بمقدار ما لها من لياقة القبول ممنوعة من موهبة الكمال.
فالآية على هذا تفيد بنحو الخصوص ما يفيده بنحو العموم ، قوله تعالى : (وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً) (الإسراء / ٢٠) ، وقوله : (ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (هود / ٥٢).
وقوله تعالى : (ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) بيان لعموم الحشر لهم وأن حياتهم الموهوبة نوع حياة تستتبع الحشر الى الله كما أن الحياة الانسانية كذلك ، ولذلك أرجع الضمير المستعمل في اولي الشعور والعقل ، فقال : (إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) إشارة الى أن أصل الملاك وهو الأمر الذي يدور عليه الرضا والسخط والإثابة والمؤاخذة موجود فيهم.
وقد وقع في الآية التفات من الغيبة الى التكلم مع الغير ثم الى الغيبة بالنسبة إليه تعالى ، والتدبر فيها يعطي أن الأصل في السياق الغيبة وإنما تحول السياق في قوله : (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) الى التكلم مع الغير لكون المعترضة خطابا خاصا بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فلما فرغ منه رجع الى أصل السياق.
قوله تعالى : (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ) الى آخر الآية ؛ يريد تعالى أن المكذبين لآياته محرمون من نعمة السمع والتكلم والبصر لكونهم في ظلمات لا يعمل فيها البصر فهم لصممهم لا يقدرون على أن يسمعوا الكلام الحق وأن يستجيبوا ولبكمهم لا يستطيعوان أن يتكلموا بالقول الحق ويشهدوا بالتوحيد والرسالة ، ولإحاطة الظلمات بهم لا يسعهم أن يبصروا طريق الحق فيتخذوه طريقا.
وفي قوله تعالى : (مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ) الخ ؛ دلالة على أن هذا الصمم والبكم
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
