لا يُنْظَرُونَ) قولهم (لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ) تحضيض للتعجيز ، وقد أخبرهم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بما كان يتلو عليهم من آيات الله النازلة عليه أن الذي جاء به إليه ملك كريم نازل من عند الله كقوله تعالى : (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) (كورت / ٢١) الى غيرها من الآيات.
قوله تعالى : (وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ) اللبس بالفتح الستر بساتر لما يجب ستره لقبحه أو لحاجته الى ذلك ، واللبس بالضم التغطية على الحق ، وكأن المعنى استعاري والأصل واحد.
قال الراغب في المفردات : لبس الثوب استتر به وألبسه غيره ـ الى أن قال ـ وأصل اللبس (بضم اللام) ستر الشيء ويقال ذلك في المعاني يقال : لبست عليه أمره قال : وللبسنا عليه ما يلبسون وقال : ولا تلبسوا الحق بالباطل ، لم تلبسون الحق بالباطل ، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ، ويقال : في الأمر لبسة أي التباس ، انتهى.
ومعمول يلبسون محذوف ، وربما استفيد من ذلك العموم والتقدير يلبس الكفار على أنفسهم أعم من لبس البعض على نفسه ، ولبس البعض على البعض الآخر.
أما لبسهم على غيرهم فكما يلبس علماء السوء الحق بالباطل لجهلة مقلديهم وكما يلبس الطواغيت المتبعون لضعفة أتباعهم الحق بالباطل كقول فرعون فيما حكى الله لقومه (يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ ، فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ، فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ) (الزخرف / ٥٤) وقوله (ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ) (المؤمن / ٢٩).
وأما لبسهم على أنفسهم فهو بتخييلهم الى أنفسهم أن الحق باطل وأن الباطل حق ثم تماديهم على الباطل فإن الإنسان وإن كان يميز الحق من الباطل فطرة الله التي فطر الناس
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
