لأنك المولى الحق والى المولى أمر عباده ، وإن تغفر لهم بإمحاء أثر هذا الظلم العظيم فإنك أنت العزيز الحكيم لك حق العزة والحكمة ، وللعزيز (وهو الذي له من الجدة والقدرة ما ليس لغيره) ولا سيما اذا كان حكيما (لا يقدم على أمر إلا اذا كان مما ينبغي أن يقدم عليه) أن يغفر الظلم العظيم فإن العزة والحكمة اذا اعتنقتا في فاعل لم تدعا قدرة تقوم عليه ولا مغمضة في ما قضى به من أمر.
وبما تقدم من البيان ظهر أولا : أن قوله : (فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ) بمنزلة أن يقال : «فإنك مولاهم الحق» على ما هو دأب القرآن من ذكر أسماء الله بعد ذكر أفعاله كما في آخر الآية.
وثانيا : ان قوله : (فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ليس مسوقا للحصر بل الإتيان بضمير الفصل وإدخال اللام في الخبر للتأكيد ، ويؤول معناه الى أن عزتك وحكمتك مما لا يداخله ريب فلا مجال للاعتراض عليك إن غفرت لهم.
وثالثا : أن المقام (مقام المشافهة بين عيسى بن مريم عليهالسلام وربه) لما كان مقام ظهور العظمة الإلهية التي لا يقوم لها شيء كان مقتضاه أن يراعي فيه جانب ذلة العبودية للغاية بالتحرز عن الدلال والاسترسال والتجنب عن مداخلة في الأمر بدعاء أو سؤال ، ولذلك قال عليهالسلام (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ولم يقل (فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) لأن سطوع آية العظمة والسطوة الإلهية القاهرة الغالبة على كل شيء لا يدع للعبد إلا أن يلتجىء اليه بماله من ذلة العبودية ومسكنة الرقية والمملوكية المطلقة ، والاسترسال عند ذلك ذنب عظيم.
وأما قول إبراهيم عليهالسلام لربه (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (إبراهيم / ٣٦) فإنه من مقام الدعاء وللعبد أن يثير فيه ناشئة الرحمة الإلهية بما استطاع.
قوله تعالى : (قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) تقرير لصدق عيسى بن مريم عليهالسلام على طريق التكنية فإنه لم يصرح بشخصه وإنما المقام هو الذي يفيد ذلك.
والمراد بهذا الصدق من الصادقين صدقهم في الدنيا فإنه تعالى يعقب هذه الجملة بقوله
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
