الناس تعليما عمليا مشفوعا بالقول.
لكن فيه أن مجرد تعليمه الناس مناسك حجهم ـ وقد أمرهم بحج التمتع ولم يلبث دون أن صار مهجورا ، وقد تقدمه تشريع أركان الدين من صلاة وصوم وحج وزكاة وجهاد وغير ذلك ـ لا يصح أن يسمى إكمالا للدين ، وكيف يصح أن يسمى تعليم شيء من واجبات الدين إكمالا لذلك الواجب فضلا عن أن يسمى تعليم واجب من واجبات الدين لمجموع الدين؟
على أن هذا الاحتمال يوجب انقطاع رابطة الفقرة الاولى أعني قوله : (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ) بهذه الفقرة أعني قوله : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) وأي ربط ليأس الكفار عن الدين بتعليم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم حج التمتع للناس؟
وربما أمكن أن يقال : إن المراد به إكمال الدين بنزول بقايا الحلال والحرام في هذا اليوم في سورة المائدة ، فلا حلال بعده ولا حرام ، وبإكمال الدين استولى اليأس على قلوب الكفار ، ولاحت آثاره على وجوههم.
لكن يجب أن نتبصّر في تمييز هؤلاء الكفار الذين عبر عنهم في الآية بقوله : (الَّذِينَ كَفَرُوا) على هذا التقدير وأنهم من هم؟ فإن أريد بهم كفار العرب فقد كان الإسلام عمّهم يومئذ ولم يكن فيهم من يتظاهر بغير الإسلام وهو الاسلام حقيقة ، فمن هم الكفار الآئسون؟
وإن أريد بهم الكفار من غيرهم كسائر العرب من الامم والأجيال فقد عرفت آنفا أنهم لم يكونوا آئسين يومئذ من الظهور على المسلمين.
ثم نتبصر في أمر انسداد باب التشريع بنزول سورة المائدة وانقضاء يوم عرفة فقد وردت روايات كثيرة لا يستهان بها عددا بنزول أحكام وفرائض بعد اليوم كما في آية الصيف (١) وآيات الربا ، حتى أنه روي عن عمر أنه قال في خطبة خطبها : من آخر القرآن نزولا آية
__________________
(١) وهي آية الكلالة المذكورة في آخر سورة النساء.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
