والمراد بعدم هدايته تعالى هؤلاء القوم الكافرين عدم هدايته إياهم في كيدهم ومكرهم ، ومنعه الأسباب الجارية أن تنقاد لهم في سلوكهم الى ما يرومونه من الشر والفساد نظير قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) (المنافقون / ٦) ، وقوله تعالى : (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (البقرة / ٢٥٨) ، وقد تقدم البحث عنه في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
وأما كون المراد بعدم الهداية هو عدم الهداية الى الإيمان فغير صحيح البتة لمنافاته أصل التبليغ والدعوة فلا يستقيم أن يقال : ادعهم الى الله أو الى حكم الله وأنا لا أهديهم اليه إلا في مورد إتمام الحجة محضا.
على أن الله سبحانه قد هدى ولا يزال يهدي كثيرين من الكفار بدليل العيان ، وقد قال أيضا (وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (البقرة / ٢١٣).
فتبين أن المراد بعدم هداية الكافرين عدم تخليتهم لينالوا ما يهمون به من إبطال كلمة الحق وإطفاء نور الحكم المنزل فإن الكافرين وكذا الظالمين والفاسقين يريدون بشآمة أنفسهم وضلال رأيهم أن يبدلوا سنة الله الجارية في الخلقة وسياقة الأسباب السالكة الى مسبباتها ويغيروا مجاري الأسباب الحقة الظاهرة عن سمة عصيان رب العالمين الى غايتهم الفاسدة مقاصدهم الباطلة الله رب العالمين لن يعجزه قواهم الصورية التي لم يودعها فيهم ولم يقدرها في بناهم إلا هو.
فهم ربما تقدموا في مساعيهم أحيانا ، ونالوا ما راموه أوينات واستعلوا واستقام أمرهم برهة لكنه لا يلبث دون أن يبطل أخيرا وينقلب عليهم مكرهم ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ، وكذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الباطل فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.
وعلى هذا فقوله (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) تفسير قوله : (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) بالتصرف في سعة إطلاقه ، ويكون المراد بالعصمة عصمته صلىاللهعليهوآلهوسلم من أن يناله الناس
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
