ثم إن هاتين الجملتين أعني قوله : (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ) وقوله : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) متقاربتان مضمونا ، مرتبطتان مفهوما بلا ريب ، لظهور ما بين ياس الكفار من دين المسلمين وبين إكمال دين المسلمين من الارتباط القريب ، وقبول المضمونين لأن يمتزجا فيتركّبا مضمونا واحدا مرتبط الأجزاء ، متصل الأطراف بعضها ببعض ، مضافا الى ما بين الجملتين من الاتحاد في السياق.
ويؤيد ذلك ما نرى أن السلف والخلف من مفسري الصحابة والتابعين والمتأخرين الى يومنا هذا أخذوا الجملتين متصلتين يتم بعضهما بعضا ، وليس ذلك إلا لأنهم فهموا من هاتين الجملتين ذلك ، وبنوا على نزولهما معا ، واجتماعهما من حيث الدلالة على مدلول واحد.
وينتج ذلك أن هذه الآية المعترضة أعني قوله : «الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ـ الى قوله ـ : وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» كلام واحد متصل بعض أجزائه ببعض مسوق لغرض واحد قائم بمجموع الجملتين من غير تشتت سواء قلنا بارتباطه بالآية المحيطة بها أو لم نقل ، فإن ذلك لا يؤثر ألبتّة في كون هذا المجموع كلاما واحدا معترضا لا كلامين ذوي غرضين ، وأن اليوم المتكرر في قوله : (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) ، وفي قوله : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) ، أريد به يوم واحد يئس فيه الكفار وأكمل فيه الدين.
ثم ما المراد بهذا اليوم الواقع في قوله تعالى : (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ)؟ فهل المراد به زمان ظهور الاسلام ببعثة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ودعوته فيكون المراد أن الله أنزل إليكم الإسلام ، وأكمل لكم الدين وأتم عليكم النعمة وأيأس منكم الكفار؟
لا سبيل الى ذلك لأن ظاهر السياق أنه كان لهم دين كان الكفار يطمعون في إبطاله أو تغييره ، وكان المسلمون يخشونهم على دينهم فأيأس الله الكافرين مما طمعوا فيه وآمن المسلمين وأنه كان ناقصا فأكمله الله وأتم نعمته عليهم ، ولم يكن لهم قبل الاسلام دين حتى يطمه فيه الكفار أو يكمله الله ويتم نعمته عليهم.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
