أما وقوع الآية في سياق ولاية النصرة ، ولزوم حملها على إرادة ذلك فقد عرفت أن الآيات غير مسوقة لهذا الغرض أصلا ، ولو فرض سرد الآيات السابقة على هذه الآية لبيان أمر ولاية النصرة لم تشاركها الآية في هذا الغرض.
وأما حديث لزوم إطلاق الجمع وإرادة الواحد في قوله : (وَالَّذِينَ آمَنُوا) الخ ؛ فقد عرفت في الكلام على آية المباهلة في الجزء الثالث من هذا الكتاب تفصيل الجواب عنه ، وأنه فرق بين إطلاق لفظ الجمع وإرادة الواحد واستعماله فيه ، وبين إعطاء حكم كلي أو الإخبار بمعرف جمعي في لفظ الجمع لينطبق على من يصح أن ينطبق عليه ، ثم لا يكون المصداق الذي يصح أن ينطبق عليه إلا واحدا فردا واللغة تأبى عن قبول الأول دون الثاني على شيوعه في الاستعمالات.
وليت شعري ما ذا يقولون في مثل قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) ـ الى أن قال ـ (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) الآية (الممتحنة / ١) ، وقد صح أن المراد به خاطب بن أبي بلتعة في مكاتبته قريشا؟ وقوله تعالى : (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ) (المنافقون / ٨) ، وقد صح أن القائل به عبد الله بن أبي بن سلول؟ وقوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ) (البقرة / ٢١٥) والسائل عنه واحد؟ وقوله تعالى : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً) (البقرة / ٢٧٤) وقد ورد أن المنفق كان عليا أو أبا بكر؟ الى غير ذلك من الموارد الكثيرة.
وأعجب من الجميع قوله تعالى : (يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ) والقائل هو عبد الله بن أبي ، على ما رووا في سبب نزوله وتلقوه بالقبول ، والآية واقعة بين الآيات المبحوث عنها نفسها.
فإن قيل : إن هذه الموارد لا تخلو عن اناس كانوا يرون رأيهم أو يرضون بفعالهم فعبر الله تعالى عنهم وعمن يلحق بهم بصيغة الجمع. قيل : إن محصله جواز ذلك في اللغة لنكتة مجوزة
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4688_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
