تعالى : (قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) (المؤمن / ١١) ، وهذه من الآيات التي يستدلّ بها على وجود البرزخ بين الدنيا والآخرة ، فإنها تشتمل على إماتتين ، فلو كان إحديهما الموت الناقل من الدنيا لم يكن بدّ في تصوير الإماتة الثانية من فرض حيوه بين الموتين وهو البرزخ ، وهو إستدلال تام اعتني به في بعض الروايات ايضا ، وربما ذكر بعض المنكرين للبرزخ أن الآيتين أعني قوله : (كَيْفَ تَكْفُرُونَ ...) الآية ، وقوله : (قالُوا رَبَّنا ..) الآية ، متحدتا السياق ، وقد اشتملتا على موتين وحيوتين ، فمدلولهما واحد ، والآية الأولى ظاهرة في أن الموت الأول هو حال الإنسان قبل ولوج الروح في الحيوة الدنيا ، فالموت والحيوة الاوليان هما الموت قبل الحيوة الدنيا والحيوة الدنيا ، والموت والحيوة الثانيتان هما الموت عن الدنيا والحيوة يوم البعث ، والمراد بالمراتب في الآية الثانية هو ما في الآية الأولى ، فلا معنى لدلالتها على البرزخ ، وهو خطأ فان الآيتين مختلفتان سياقا اذ المأخوذ في الآية الأولى موت واحد وإماتة لا يتحقق لها مصداق من دون سابقة حيوة بخلاف الموت ، فالموت الأول في الآية الأولى غير الإماتة الاولى في الآية الثانية ، فلامح في قوله تعالى : (أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) ، الإماتة الأولى هي التي بعد الدنيا والإحياء الأول بعدها للبرزخ والإماتة والإحياء الثانيتان للآخرة يوم البعث ، وفي قوله تعالى : (وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ) إنما يريد الموت قبل الحياة وهو موت وليس بإماتة والحياة هي الحياة الدنيا ، وفي قوله تعالى : (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) حيث فصّل بين الإحياء والرجوع بلفظ ثم تأييد لما ذكرنا هذا.
قوله تعالى : (وَكُنْتُمْ أَمْواتاً) ، بيان حقيقة الإنسان من حيث وجوده فهو وجود متحوّل متكامل يسير في مسير وجوده المتبدّل المتغير تدريجا ويقطعه مرحلة مرحلة ، فقد كان الإنسان قبل نشأته في الحيوة الدنيا ميتا ثم حيي بإحياء الله ثم يتحول بإماتة وإحياء وهكذا وقد قال سبحانه : (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
