بتنبيههم بما هم عليه من دقة الموقف لمواجهتهم أعداءا كاليهود والنصارى والمشركين وقد جمعوا جمعهم وعزموا عزمهم على إطفاء نور الله تعالى بأيديهم وبأفواههم.
ويشبه أن تكون هذه السورة نازلة دفعة واحدة ، فإن آياتها ـ وهي مئتا آية ـ ظاهرة الاتساق والانتظام من أولها الى آخرها ، متناسبة آياتها ، مرتبطة أغراضها.
ولذلك كان مما يترجح في النظر أن تكون السورة إنما نزلت على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وقد استقر له الأمر بعض الاستقرار ولما يتم استقراره ، فإن فيها ذكر غزوة أحد ، وفيها ذكر المباهلة مع نصارى نجران ، وذكرا من أمر اليهود ، وحثا على المشركين ، ودعوة الى الصبر والمصابرة والمرابطة ، وجميع ذلك يؤيد أن السورة نزلت أيام كان المسلمون مبتلين بالدفاع عن حمى الدين بعامة قواهم وجميع أركانهم ، فمن جانب كانوا يقاومون الفشل والفتور الذين يدبان في داخل جماعتهم بفتنة اليهود والنصارى ، ويحاجونهم ويجاوبونهم ، ومن جانب كانوا يقاتلون المشركين ، ويعيشون في حال الحرب وانسلاب الأمن ، فقد كان الاسلام في هذه الأيام قد انتشر صيته فثارت الدنيا عليه من اليهود والنصارى ومشركي العرب ، ووراء ذلك الروم والعجم وغيرهم.
والله سبحانه يذكر المؤمنين في هذه السورة من حقائق دينه الذي هداهم به ما يطيب به نفوسهم ، ويزول به رين الشبهات والساوس الشيطانية وتسويلات أهل الكتاب عن قلوبهم ، ويبين لهم : أن الله سبحانه لم يغفل عن تدبير ملكه ، ولم يعجزه خلقه ، وإنما اختار دينه وهدى جمعا من عباده اليه على طريقة العادة الجارية ، والسنة الدائمة ، وهي سنة العلل والأسباب ، فالمؤمن والكافر جاريان على سنة الأسباب ، فيوم للكافر ويوم للمؤمن ، فالدار دار الامتحان ، واليوم يوم العمل ، والجزاء غدا.
قوله تعالى : (اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) ، قد مرّ الكلام فيه في تفسير آية الكرسي ، وتحصل من هناك أن المراد به بيان قيامه تعالى أتم القيام على أمر الإيجاد والتدبير ،
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
