بالكسب كطالب العلم وغير ذلك.
وفي قوله تعالى يحسبهم الجاهل اي الجاهل بحالهم اغنياء من التعفف دلالة على انهم غير متظاهرين بالفقر إلا ما لا سبيل لهم الى ستره من علائم الفقر والمسكنة من بشرة أو لباس خلق أو نحوهما.
ومن هنا يظهر : ان المراد بقوله : (لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً) انهم لا يسألون الناس اصلا حتى ينجر الى الالحاف والاصرار في السؤال ، فإن السؤال أول مرة يجوز للنفس الجزع من مرارة الفقر فيسرع اليها ان لا تصبرونهم بالسؤال في كل موقف ، والالحاف على كل أحد ، كذا قيل ، ولا يبعد ان يكون المراد نفي الالحاف لا اصل السؤال ، ويكون المراد بالالحاف ما يزيد على القدر الواجب من إظهار الحاجة ، فإن مسمى الاظهار عند الحاجة المبرمة لا بأس به بل ربما صار واجبا ، والزائد عليه وهو الالحاف هو المذموم.
وفي قوله تعالى : (تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ) دون ان يقال تعرفونهم نوع صون لجاههم وحفظ لسترهم الذي تستروا به تعففا من الانهتاك فإن كونهم معروفين بالفقر عند كل أحد لا يخلو من هوان امرهم وظهور ذلهم. وأما معرفة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بحالهم بتوسمه من سيماهم ، وهو نبيهم المبعوث اليهم الرؤف الحنين بهم فليس فيه كسر لشأنهم ، ولا ذهاب كرامتهم ، وهذا ـ والله أعلم ـ هو السر في الالتفات عن خطاب المجموع الى خطاب المفرد.
قوله تعالى : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ) الى آخر الآية ؛ السر والعلانية متقابلان وهما حالان من ينفقون والتقدير مسرين ومعلنين ، واستيفاء الازمنة والاحوال في الانفاق للدلالة على اهتمام المنفقين في استيفاء الثواب ، وإمعانهم في ابتغاء مرضاة الله ، وإرادة وجهه ، ولذلك تدلى الله سبحانه منهم فوعدهم وعدا حسنا بلسان الرأفة والتلطف
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
