التدبير.
وفي قوله تعالى : (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ) ، على تقدير ان يراد بالعلم المعنى المصدري أو معنى اسم المصدر لا المعلوم دلالة على ان العلم كله لله ولا يوجد من العلم عند عالم إلا وهو شيء من علمه تعالى ، ونظيره ما يظهر من كلامه تعالى من اختصاص القدرة والعزة والحياة بالله تعالى ، قال تعالى : (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) (البقرة / ١٦٥) ، وقال تعالى : (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) (النساء / ١٣٩) ، وقال تعالى : (هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) (المؤمن / ٦٥) ، ويمكن ان يستدل على ما ذكرناه من انحصار العلم بالله تعالى بقوله : (إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف / ٨٣) ، وقوله تعالى : (وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (آل عمران / ٦٦) ، الى غير ذلك من الآيات ، وفي تبديل العلم بالإحاطة في قوله : (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ) ، لطف ظاهر.
قوله تعالى : (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) ، الكرسي معروف وسمي به لتراكم بعض اجزائه بالصناعة على بعض ، وربما كني بالكرسي عن الملك فيقال : كرسي الملك ، ويراد منطقة نفوذة ومتسع قدرته.
وكيف كان فالجمل السابقة على هذه الجملة أعني قوله : (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) ، الخ ؛ تفيد ان المراد بسعة الكرسي احاطة مقام السلطنة الالهية ، فيتعين للكرسي من المعنى : انه المقام الربوبي الذي يقوم به ما في السموات والارض من حيث انها مملوكة مدبرة معلومة ، فهو من مراتب العلم ، ويتعين للسعة من المعنى : انها حفظ كل شيء مما في السموات والارض بذاته وآثاره ، ولذلك ذيله بقوله : (وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما).
قوله تعالى : (وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) ، يقال : آده يؤده أودا اذا ثقل عليه واجهده واتعبه ، والظاهر ان مرجع الضمير في يؤده ، هو الكرسي وإن جاز رجوعه اليه تعالى ، ونفي الأود والتعب عن حفظ السموات والارض في ذيل الكلام ليناسب ما افتتح
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
