بدلوا نعمة الله من بعدما جائتهم ، فإن المحنة دائمة ، والفتنة قائمة ، ولن ينال أحد من الناس سعادة الدين وقرب رب العالمين إلّا بالثبات والتسليم.
وكلمة أم منقطعة تفيد الاضراب ، والمعنى على ما قيل : بل أحسبتم ان تدخلوا الجنة ، الخ ؛ والخلاف في أم المنقطعة معروف ، والحق ان ام لإفادة الترديد ، وأن الدلالة على معنى الاضراب من حيث انطباق معنى الاضراب على المورد ، لا انها دلالة وضعية ، فالمعنى في المورد مثلا : هل انقطعتم بما أمرناكم من التسليم بعد الايمان والثبات على نعمة الدين ، والاتفاق والاتحاد فيه أم لا بل حسبتم أن تدخلوا الجنة ، الخ.
قوله تعالى : (وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) ، المثل بكسر الميم فسكون الثاء ، والمثل بفتح الميم والثاء كالشبه والشبه ، والمراد به ما يمثل الشيء ويحضره ويشخصه عند السامع ، ومنه المثل بفتحتين ، وهو الجملة أو القصة التي تفيد استحضار معنى مطلوب في ذهن السامع بنحو الاستعارة التمثيلية كما قال تعالى : (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً) (الجمعة / ٥) ، ومنه أيضا المثل بمعنى الصفة كقوله تعالى : (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ) (الفرقان / ٩) ، وإنما قالوا له صلىاللهعليهوآلهوسلم : مجنون وساحر وكذاب ونحو ذلك ، وحيث انه تعالى يبين المثل الذي ذكره بقوله : (مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ) ، الخ ؛ فالمراد به المعنى الاول.
قوله تعالى : (مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ) ، الى آخره لما اشتد شوق المخاطب ليفهم تفصيل الاجمال الذي دل عليه بقوله : (وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ) ، بين ذلك بقوله : (مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ) ، والبأساء هو الشدة المتوجهة الى الانسان في خارج نفسه كالمال والجاه والاهل والامن الذي يحتاج إليه في حيوته ، والضراء هي الشدة التي تصيب الانسان في نفسه كالجرح والقتل والمرض ، والزلزلة والزلزال معروف واصله من زل بمعنى عثر ، كررت اللفظة للدلالة على التكرار كان الارض مثلا تحدث لها بالزلزلة عشرة بعد عشرة ، وهو كصر وصرصر ،
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
