إنزاله بالبغي.
قوله تعالى : (فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) الخ ؛ عبر تعالى بالبعث دون الارسال وما في معناه لان هذه الوحدة المخبر عنها من حال الانسان الاولي حال خمود وسكوت ، وهو يناسب البعث الذي هو الاقامة عن نوم أو قطون ونحو ذلك ، وهذه النكتة لعلها هي الموجبة للتعبير عن هؤلاء المبعوثين بالنبيين دون ان يعبر بالمرسلين أو الرسل ، على ان البعث وانزال الكتاب كما تقدم بيانه حقيقتهما بيان الحق للناس وتنبيههم بحقيقة أمر وجودهم وحياتهم ، وإنبائهم انهم مخلوقون لربهم ، وهو الله الذي لا إله إلّا هو ، وأنهم سالكون كادحون الى الله مبعوثون ليوم عظيم ، واقفون في منزل من منازل السير ، لا حقيقة له إلّا اللعب والغرور ، فيجب ان يراعوا ذلك في هذه الحياة وأفعالها ، وان يجعلوا نصب اعينهم انهم من أين ، وفي أين ، والى اين ، وهذا المعنى أنسب بلفظ النبي الذي معناه : من استقر عنده النبأ دون الرسول ، ولذلك عبر بالنبيين ، وفي اسناد بعث النبيين الى الله سبحانه دلالة على عصمة الانبياء في تلقيهم الوحي وتبليغهم الرسالة الى الناس وسيجيء زيادة توضيح لهذا في آخر البيان ، وأما لتبشير والانذار أي الوعد برحمة الله من رضوانه والجنة لمن آمن واتقى ، والوعيد لعذاب الله سبحانه من سخطه والنار لمن كذب وعصى فهما امس مراتب الدعوة بحال الانسان المتوسط الحال ، وإن كان بعض الصالحين من عباده وأوليائه لا تتعلق نفوسهم بغير ربهم من ثواب أو عقاب.
قوله تعالى : (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) ، الكتاب فعال بمعنى المكتوب ، والكتاب بحسب المتعارف من اطلاقه وان استلزم كتابه بالقلم لكن لكون العهود والفرامين المفترضة انما يبرم بالكتابة غالبا شاع اطلاقه على كل حكم مفروض واجب الاتباع أو كل بيان بل كل معنى لا يقبل النقض في إبرامه ، وقد كثر استعماله بهذا المعنى في القرآن ، وبهذا المعنى سمي القرآن كتابا وهو كلام الهي ، قال تعالى :
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
