بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ) (النحل / ٢٦) ، كل ذلك يراد فيها معنى يلائم ساحة قدسه تقدست اسمائه كالإحاطة ونحوها ولو مجازا ، وعلى هذا فالمراد بالإتيان في قوله تعالى : (أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ) الإحاطة بهم للقضاء في حقهم.
على أنا نجده سبحانه وتعالى في موارد من كلامه اذا سلب نسبة من النسب وفعلا من الأفعال عن استقلال الاسباب ووساطة الاوساط فربما نسبها الى نفسه وربما نسبها الى امره كقوله تعالى : (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ) (الزمر / ٤٢) ، وقوله تعالى : (يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ) (السجدة / ١١) ، وقوله تعالى : (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا) (الأنعام / ٦١) ، فنسب التوفي تارة الى نفسه ، وتارة الى الملائكة ثم قال تعالى في أمر الملائكة : (بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (الأنبياء / ٢٧) ، وكذلك قوله تعالى : (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ) (يونس / ٩٣) ، وقوله تعالى : (فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِ) (المؤمن / ٧٨) ، وكما في هذه الآية : ان يأتيهم الله في ظلل من الغمام ، الآية ، وقوله تعالى : (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ) (النحل / ٣٣).
وهذا يوجب صحة تقدير الأمر في موارد على نسبة تشتمل أمور اليه لا تلائم كبرياء ذاته تعالى نظير : جاء ربك ، ويأتيهم الله ، فالتقدير جاء أمر ربك ويأتيهم أمر الله.
فهذا هو الذي يوجبه البحث الساذج في معنى هذه النسب على ما يراه جمهور المفسرين لكن التدبر في كلامه تعالى يعطي لهذه النسب معنى أرق وألطف من ذلك ، وذلك أن أمثال قوله تعالى : (وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُ) (فاطر / ١٥) ، وقوله تعالى : (الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ) (ص / ٩) ، وقوله تعالى : (أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) (طه / ٥٠) ، تفيد أنه تعالى واجد لما يعطيه من الخلقة وشؤونها وأطوارها ، مليء بما يهبه ويجود به وان كانت أفهامنا من جهة اعتيادها بالمادة وأحكامها الجسمانية يصعب عليها تصور كيفية اتصافه تعالى ببعض ما يفيض على خلقه من الصفات ونسبته اليه تعالى ، لكن هذه المعاني اذا جردت عن قيود المادة واوصاف الحدثان لم يكن في نسبته اليه تعالى محذور فالنقص والحاجة هو الملاك في سلب معنى من المعاني عنه
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
