قوله تعالى : (وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها) الخ ؛ التولي هو تملك الولاية والسلطان ، ويؤيده قوله تعالى في الآية التالية : أخذته العزة بالإثم ، الدال على ان له عزة مكتسبة بالاثم الذي يأثم به قلبه غير الموافق للسانه ، والسعي هو العمل والاسراع في المشي ، فالمعنى واذا تمكن هذا المنافق الشديد الخصومة من العمل وأوتي سلطانا وتولى امر الناس سعى في الارض ليفسد فيها ، ويمكن ان يكون التولي بمعنى الاعراض عن المخاطبة والمواجبة ، اي اذا خرج من عندك كانت غيبتة مخالفة لحضوره ، وتبدل ما كان يظهره من طلب الصلاح والخير الى السعى في الأرض لاجل الفساد والافساد.
قوله تعالى : (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) ، ظاهره انه بيان لقوله تعالى : (لِيُفْسِدَ فِيها) اي يفسد فيها بإهلاك الحرث والنسل ، ولما كان قوام النوع الانساني من حيث الحياة والبقاء بالتغذي والتوليد فهما الركنان القويمان اللذان لا غناء عنهما للنوع في حال : اما التوليد فظاهر ، واما التغذي فانما يركن الانسان فيه الى الحيوان والنبات ، والحيوان يركن الى النبات ، فالنبات هو الأصل ويستحفظ بالحرث وهو تربية النبات ، فلذلك علق الفساد على الحرث والنسل فالمعنى انه يفسد في الارض بإفناء الانسان وابادة هذا النوع بإهلاك الحرث والنسل.
قوله تعالى : (وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ) ، المراد بالفساد ليس ما هو فساد في الكون والوجود (الفساد التكويني) فإن النشأة نشأة الكون والفساد ، وعالم التنازع في البقاء ولا كون إلّا بفساد ، ولا حياة إلّا بموت ، وهما متعانقان في هذا الوجود الطبيعي في النشأة الطبيعية ، وحاشا ان يبغض الله سبحانه ما هو مقدره وقاضيه.
وانما هو الفساد المتعلق بالتشريع فإن الله انما شرّع ما شرّعه من الدين ليصلح به اعمال عباده فيصلح اخلاقهم وملكات نفوسهم فيعتدل بذلك حال الانسانية والجامعة البشرية ، وعند ذلك تسعد حياتهم في الدنيا وحياتهم في الآخرة على ما سيجيء بيانه في قوله تعالى :
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
