قوله تعالى : (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى) ، لا نافية للجنس فقوله : (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) في الموضعين ينفي جنس الاثم عن الحاج ولم يقيد بشيء أصلا ، ولو كان المراد لا إثم عليه في التعجل أو في التأخر لكان من اللازم تقييده به ، فالمعنى أن من اتم عمل الحج فهو مغفور لا ذنب له سواء تعجل في يومين أو تأخر ، ومن هنا يظهر : ان الآية ليست في مقام بيان التخيير بين التأخر والتعجل للناسك ، بل المراد بيان كون الذنوب مغفورة للناسك على أي حال.
واما قوله : (لِمَنِ اتَّقى) ، فليس بيانا للتعجل والتأخر وإلّا لكان حق الكلام ان يقال : على من اتقى ، بل الظاهر ان قوله : (لِمَنِ اتَّقى) نظير قوله تعالى : (ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) ، الآية ، والمراد ان هذا الحكم لم اتقى واما من لم يتق فليس له ، من اللازم ان يكون هذه التقوى تقوى مما نهى الله سبحانه عنه في الحج واختصه به فيؤل المعنى ان الحكم إنما هو لمن اتقى تروك الاحرام أو بعضها أما من لم يتق فيجب ان يقيم بمنى ويذكر الله في ايام معدودات ، وقد ورد هذا المعنى في بعض ما روي عن أئمة اهل البيت كما سيجيء إنشاء الله.
قوله تعالى : (وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) ، امر بالتقوى في خاتمة الكلام وتذكير بالحشر والبعث فإن التقوى لا تتم والمعصية لا تجتنب إلّا مع ذكر يوم الجزاء ، قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ) (ص / ٢٦).
وفي اختيار لفظ الحشر في قوله تعالى : (أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) ، مع ما في نسك الحج من حشر الناس وجمعهم لطف ظاهر ، وإشعار بأن الناسك ينبغي ان يذكر بهذا الجمع والافاضة يوما يحشر الله سبحانه الناس لا يغادر منهم أحدا (١).
__________________
(١) البقرة ١٩٦ ـ ٢٠٣ : بحث روائي في الحج والعمرة ؛ متعة الحج.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
