وقد هتكوا حين صدوا النبي وأصحابه عن الحج عام الحديبية ورموهم بالسهام والحجارة جاز للمؤمنين أن يقاتلوهم فيه وليس بهتك ، فانما يجاهدون في سبيل الله ويمتثلون أمره في إعلاء كلمته ولو هتكوا حرمة الحرم والمسجد الحرام بالقتال فيه وعنده جاز للمؤمنين معاملتهم بالمثل ، فقوله : (الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ) بيان خاص عقب ببيان عام يشمل جميع الحرمات وأعم من هذا البيان العام قوله تعالى عقيبه : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ، فالمعنى أن الله سبحانه إنما شرع القصاص في الشهر الحرام لانه شرع القصاص في جميع الحرمات وإنما شرع القصاص في الحرمات لانه شرع جواز الاعتداء بالمثل.
ثم ندبهم الى ملازمة طريقة الاحتياط في الاعتداء لأن فيه استعمالا للشدة والبأس والسطوة وسائر القوى الداعية الى الطغيان والانحراف عن جادة الاعتدال والله سبحانه وتعالى لا يحب المعتدين ، وهم أحوج الى محبة الله تعالى وولايته ونصره فقال تعالى : واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين.
وأما أمره تعالى بالاعتداء مع انه لا يحب المعتدين فإن الاعتداء مذموم اذا لم يكن في مقابله اعتداء وأما اذا كان في مقابله الاعتداء فليس إلّا تعاليا عن ذل الهوان وارتقاء عن حضيض الاستعباد والظلم والضيم ، كالتكبر مع المتكبر ، والجهر بالسوء لمن ظلم.
وقوله تعالى : (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) ، أمر بانفاق المال لإقامة القتال في سبيل الله والكلام في تقييد الإنفاق هيهنا بكونه في سبيل الله نظير تقييد القتال في اول الآيات بكونه في سبيل الله ، كما مر ، والباء في قوله : (بِأَيْدِيكُمْ) زائدة للتأكيد ، والمعنى : ولا تلقوا أيديكم الى التهلكة كناية عن النهي عن إبطال القوة والاستطاعة والقدرة فان اليد مظهر لذلك ، وربما يقال : ان الباء للسببية ومفعول لا تلقوا محذوف ، والمعنى : لا تلقوا أنفسكم بأيدي أنفسكم الى التهلكة ، والتهلكة والهلاك واحد وهو مصير الإنسان
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
