قوله تعالى : (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) ، الظاهر أن المراد كما سنحول القبلة لكم لنهدينكم إلى صراط مستقيم كذلك جعلناكم امة وسطا ، وقيل إن المعنى ومثل هذا الجعل العجيب جعلناكم أمة وسطا (وهو كما ترى) ، وأما المراد بكونهم أمة وسطا شهداء على الناس فالوسط هو المتخلل بين الطرفين لا إلى هذا الطرف ولا إلى ذاك الطرف ، وهذه الامة بالنسبة إلى الناس ـ وهم أهل الكتاب والمشركون ـ على هذا الوصف فإن بعهضم ـ وهم المشركون والوثنيون ـ إلى تقوية جانب الجسم محضا لا يريدون إلا الحيوة الدنيا والاستكمال بملاذها وزخارفها وزينتها ، لا يرجون بعثا ولا نشورا ، ولا يعبأون بشيء من الفضائل المعنوية والروحية ، وبعضهم كالنصارى إلى تقوية جانب الروح لا يدعون إلا إلى الرهبانية ورفض الكمالات الجسمية التي أظهرها الله تعالى في مظاهر هذه النشأة المادية لتكون ذريعة كاملة إلى نيل ما خلق لأجله الإنسان ، فهؤلاء أصحاب الروح أبطلوا النتيجة بابطال سببها واؤلئك اصحاب الجسم ابطلوا النتيجة بالوقوف على سببها والجمود عليها ، لكن الله سبحانه جعل هذه الامة وسطا بأن جعل لهم دينا يهدي منتحليه إلى سواء الطريق وسط الطرفين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء بل يقوي كلا من الجانبين ـ جانب الجسم وجانب الروح ـ على ما يليق به ويندب إلى جمع الفضيلتين فإن الإنسان مجموع الروح والجسم لا روح محضا ولا جسم محضا ، ومحتاج في حيوته السعيدة إلى جمع كلا الكمالين والسعادتين المادية والمعنوية ، فهذه الامة هي الوسط العدل الذي به يقاس ويوزن كل من طرفي الإفراط والتفريط فهي الشهيدة على سائر الناس الواقعة في الأطراف والنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وهو المثال الأكمل من هذه الامة ـ هو شهيد على نفس الأمة فهو صلىاللهعليهوآلهوسلم ميزان يوزن به حال الآحاد من الأمة ، والأمة ميزان يوزن به حال الناس ومرجع يرجع إليه طرفا الإفراط والتفريط ، هذا ما قرره بعض المفسرين في معنى الآية ، وهو في نفسه معنى صحيح لا يخلو عن دقة إلا أنه غير منطبق على لفظ الآية فإن كون الامة وسطا إنما
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
