كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١))
بيان :
قوله تعالى : (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها) ، هذا تمهيد ثانيا لما سيأمر تعالى به من اتخاذ الكعبة قبلة وتعليم للجواب عما سيعترض به السفهاء من الناس وهم اليهود تعصبا لقبلتهم التي هي بيت المقدس ومشركوا العرب الراصدون لكل امر جديد يحتمل الجدال والخصام ، وقد مهد لذلك اولا بما ذكره الله تعالى من قصص ابراهيم وانواع كرامته على الله سبحانه وكرامة ابنه اسماعيل ودعوتهما للكعبة ومكة وللنبي والأمة المسلمة وبنائهما البيت والامر بتطهيره للعبادة ، ومن المعلوم ان تحويل القبلة من بيت المقدس الى الكعبة من اعظم الحوادث الدينية واهم التشريعات التي قوبل به الناس بعد هجرة النبي الى المدينة وأخذ الاسلام في تحقيق اصوله ونشر معارفه وبث حقائقه ، فما كانت اليهود وغيرهم تسكت وتستريح في مقابل هذا التشريع ، لانهم كانوا يرون انه يبطل واحدا من اعظم مفاخرهم الدينية وهو القبلة واتباع غيرهم لهم فيها وتقدمهم على من دونهم في هذا الشعار الديني ، على ان ذلك تقدم باهر في دين المسلمين ، لجمعه وجوههم في عباداتهم ومناسكهم الدينية الى نقطة واحدة يخلصهم من تفرق الوجوه في الظاهر وشتات الكلمة في الباطن واستقبال الكعبة اشد تأثيرا واقوى من امثال الطهارة والدعاء وغيرهما في نفوس المسلمين ، عند اليهود ومشركي العرب وخاصة عند اليهود كما يشهد به قصصهم المقتصة في القرآن ، فقد كانوا امة لا يرون لغير المحسوس من عالم الطبيعة أصالة ولا لغير الحس وقعا ، اذا جائهم حكم من احكام الله معنوي قبلوه من غير تكلم عليه واذا جائهم امر من ربهم صوري متعلق بالمحسوس من الطبيعة كالقتال والهجرة والسجدة وخضوع القول وغيرها قابلوه
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ١ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4682_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
