المعصوم عليهالسلام بين ظهرانيهم ، واعتقادهم بانفتاح باب العلم بالأحكام ـ دخلوا وادي الاجتهاد والاستنباط ؛ لدلائل كثيرة منها :
الأوّل : كانت الظروف السياسيّة الحاكمة آنذاك ، مع الشرائط الخاصّة ، وبعد الشقّة ، وصعوبة الطريق ، و .. سببا لتعذّر ـ بل صعوبة ـ وصول الشيعة إلى إمامهم المعصوم عليهالسلام ، بحيث قد يضطرّ الموالي ـ كي يحصل على جواب سؤاله ـ من أن يتّخذ ـ ولو لساعات ـ زيّ بائع الخضار والخيار ؛ كي يوصل نفسه إلى عتبة دار الإمام عليهالسلام ويحظى بجواب مسألته ، فها هو هارون بن خارجة ـ وهو من أصحاب الإمام الصادق عليهالسلام ـ يحدّثنا فيقول :
كان رجل من أصحابنا طلّق امرأته ثلاثا ، فسأل أصحابنا ، فقالوا : ليس بشيء ، فقالت امرأته : لا أرضى حتّى تسأل أبا عبد الله عليهالسلام ـ وكان بالحيرة إذ ذاك أيّام أبي العبّاس ـ قال : فذهبت إلى الحيرة ولم أقدر على كلامه ؛ إذ منع الخليفة الناس من الدخول على أبي عبد الله عليهالسلام ـ وأنا انظر كيف ألتمس لقاءه ـ فإذا سواديّ (١) عليه جبّة صوف يبيع خيارا ، فقلت له : بكم خيارك هذا كلّه؟ قال : بدرهم ، فأعطيته درهما وقلت له : أعطني جبّتك هذه ، فأخذتها ولبستها وناديت : من يشتري خيارا! ودنوت منه ، فإذا غلام من ناحية ينادي : يا صاحب الخيار! فقال عليهالسلام لي لمّا دنوت منه : «ما أجود ما احتلت ، أيّ شيء حاجتك؟» قلت : إنّي ابتليت فطلّقت أهلي ثلاثا في دفعة ، فسألت أصحابنا فقالوا : ليس بشيء ، وإنّ المرأة قالت : لا أرضى حتّى تسأل أبا عبد الله عليهالسلام ، فقال : «ارجع إلى أهلك فليس عليك شيء» (٢).
__________________
(١) أي منسوب إلى السواد ، والسواد هو : ما حوالي الكوفة من القرى والرساتيق. انظر : لسان العرب : ٣ / ٢٢٥.
(٢) الخرائج والجرائح : ٢ / ٦٤٢ الحديث ٤٩ ، بحار الأنوار : ٤٧ / ١٧١ الحديث ١٦ ، وسائل الشيعة : ٢٢ / ٧١ الحديث ٢٨٠٥٠.
