أمت ولكنّي تغيّبت عنكم حتى أرى صنيعكم ، ففرحوا أشدّ الفرح ، وأمر خاصّته أن يضربوا له حجابا بينه وبينهم يكلّمهم من ورائه كي لا يعرف الموت في صورته ، فنصبوه صنما من وراء حجاب لا يأكل ولا يشرب وأخبرهم أنّه لا يموت أبدا وأنّه إله لهم ، وذلك كله يتكلم به الشيطان على لسانه فصدّق كثير منهم وارتاب بعضهم ، وكان المؤمن المكذّب منهم أقلّ من المصدّق فكلّما تكلّم ناصح منهم زجر وقهر ، فاتفقوا على عبادته فبعث الله لهم نبيا كان ينزل عليه الوحي في النّوم دون اليقظة ، وكان اسمه حنظلة بن صفوان ، فأعلمهم أنّ الصورة صنم لا روح له (١) ، وأنّ الشيطان قد أضلّهم ، وأنّ الله لا يتمثل بالخلق ، وأنّ الملك لا يجوز له أن يكون شريكا لله ، ووعظهم ونصحهم وحذّرهم سطوة ربّهم ونقمته فآذوه وعادوه ، وهو يتعاهدهم بالموعظة ولا يغبّهم (٢) بالنصيحة حتى قتلوه وطرحوه في بئر ، فعند ذلك حلّت عليهم النّقمة فباتوا شباعا رواء من الماء ، وأصبحوا والبئر قد غار ماؤها ، وتعطل رشاؤها ، فصاحوا بأجمعهم وضجّ النساء والولدان وضجّت البهائم عطشا ، حتى عمّهم الموت وشملهم الهلاك ، وخلّفتهم في أرضهم السباع ، وفي منازلهم الثعالب والضّباع ، وتبدّلت جناتهم وأموالهم بالسّدر وشوك العضاة (٣) والقتاد (٤) فلا يسمع فيها إلا عزيف (٥) الجنّ ، وزئير
__________________
(١) في نسخة (ح): «لها».
(٢) الغب : الإتيان في اليومين ويكون أكثر ، يقال : أغب القوم وغب عنهم : جاء يوما وترك يوما.
اللسان : ١ / ٦٣٥ ، ٦٣٦ مادة (غبب).
(٣) العضاة : كل شجر ذي شوك طال واشتد شوكه.
اللسان : ١٣ / ٥١٦ مادة (عضة).
(٤) القتاد : شجر شاك صلب له شوك أمثال الإبروله وريقة غبراء وثمرة تنبت معها غبراء وكأنها عجمة النوى.
اللسان : ٣ / ٣٤٢ مادة (قتد).
(٥) عزيف الجن : جرس أصواتها. وقيل هو : صوت يسمع بالليل كالطبل ، وقيل : هو صوت الرياح في الجو فتوهمه أهل البادية صوت الجن.
اللسان : ٩ / ٢٤٤ مادة (عزف).
![تفسير المبهمات القرآن [ ج ٢ ] تفسير المبهمات القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4663_tafsir-mubhamat-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
