العلم الّا ذلك فح لا يصحّ جعل التّصديق والتّصور معينين مغايرين في قباله اذ لم يستعمل العلم في خصوص التّصديق ولا خصوص التّصور بدخول الخصوصيّة في مدلول اللّفظ اذ الخصوصيّة تستفاد من المورد بل قد عرفت انّه لا خصوصيّة مسنّخة حتّى تدخل تحت اللّفظ او تخرج عنه وانّما العلم لا يستعمل الا في الانكشاف وكونه تصوّرا او تصديقا مجرّد تسمية تابعة لتعلّقه بالنّسبة او غيرها فمرجع الثّلاثة الى شيء واحد وهو ما فسّرناه من الانكشاف لكنّه قد يلاحظ تارة في نفسه معزى عن التّعلق بشيء فلك انّ تسمّيه بالإدراك المطلق واخرى يلاحظ متعلّقا بالنّسبة بين شيئين فسمّه تصديقا وثالثة بنفس الشّيء فسمّه تصوّرا وهذا كما ترى ملاحظات في شيء واحد لا معان متعدّدة (١) وامّا الملكة فجعلها معنى مغايرا لما تقدّم غير صحيح اذ الملكة مقابل الحال والمقسم بينهما الكيفية النّفسانية كصفات العلم والحبّ والبغض والقدرة والسّخاوة والشّجاعة وامثالها فهى اذا رسخت في النّفس بممارسة وتكرير بحيث يصعب زوالها بسرعة تسمّى ملكة والّا فهو حال اتّصف به النّفس فكون هذه الصّفات ملكة عبارة عن رسوخها في النّفس وكونها حالا عبارة عن عدم الرّسوخ فملكة العلم ليس الّا رسوخه فاطلاق العلم عليه استعمال له في عين معناه واطلاقه على ساير الملكات غلط غير جائز وقولهم فلان يعلم الخياطة والكتابة لا يراد به الّا التّصديق فانّ للخيّاط والكاتب تصديقات راسخة او غير راسخة كما هو كذلك في كلّ الصّناعات ولا يراد به ملكة الخياطة والكتابة المجرّدة عن التّصديق واتّضح لك من ذلك انّ الملكة من مقولة الكيف كما صرّح به المحقّقون وقد أخطأ من فسّرها بالتّهيّؤ والاستعداد اذ هما من مقولة الانفعال قيل اوّل من فسّرها بالتّهيّؤ المحقّق الشّريف وتبعه من تبعه وهو اشتباه ومنشأ الشّبهة ما تداول من اطلاق الفقيه على من لم يحصل له التّصديق فعلا بجميع الأحكام الجزئيّة كاغلب الفقهاء فاضطرّوا الى جعل العلم بمعنى الملكة والملكة بمعنى التهيّؤ لتصحيح تلك الاستعمالات وفيه اوّلا ما عرفت من كون الملكة من مقولة الكيف والتهيّؤ من مقولة الانفعال والمقولات العشرة متباينة وثانيا انّ صحّة اطلاق الفقيه في الاصطلاح يتوقّف على التّصديق الفعلى في جميع الأحكام الكلّية بل يعتبر رسوخ هذا التّصديق حتّى يصير ملكة ضرورة انّ من علم مسئلة واحدة او مسائل معدودة من الفقه او النّحو لم يكن باعتباره فقيها او نحويّا فلا يطلقان الّا على من علم جميع قواعد الفقه او النّحو بعد صيرورته ملكة فما لم يصل الى حدّ الرّسوخ والملكة لم يطلق عليه الفقيه ايضا وهذا المقدار حاصل لأغلب الفقهاء أ لا ترى كتبهم من اوّل الفقه الى آخره فكيف يظنّ فيهم انّهم لا يعلمون الاحكام الكليّة نعم لا يعتبر الإحاطة بجميع الفروع والاحكام الجزئيّة وذلك لأنّ الفقه هو العلم بالاحكام من الادلّة والمستفاد من الادلّة هو الاحكام الكلّيّة ومن حصل له ذلك صار له قوّة استخراج الفروع الجزئيّة منها واستخراج الجزئيّات من الكليّات باعتبار انطباقها عليها تصوّرات لا تصديقات ولا يعقل فيها تحصيلها من الأدلّة
__________________
(١) فليس مثل ذلك الّا ان يلاحظ الضّرب تارة في نفسه واخرى متعلّقا يزيد وثالثه متعلّقا بعمرو ثمّ يدّعى كونها معانى ثلاثة للفظ الضّرب.
