ترى تقرير سديد وسدّ لجميع طرق الإيراد ثمّ قال مجيبا عن هذا الاشكال الأخير واستراح من جعل العلم في التّعريف عبارة عمّا يجب العمل به الى ان قال ويمكن دفعه على ما اخترناه ايضا بانّه لم يثبت كون ما ادركه حكما شرعيّا حقيقيّا ولا ظاهريّا لانّ الدّليل لم يقم على ذلك فيه انتهى وهو ايضا حسن متين بناء على ما حقّقناه وقد عرفت انّه مع اخذ العلم بمعنى واجب العمل مرجعهما الى شيء واحد كما مرّ الثّالث وهو الحقّ الّذى لا محيص عنه انّ الأحكام لم يقصد منها الّا الجميع ولكنّ المراد بها الاحكام الكليّة المحمولة على موضوعاتها الكليّة لا الأحكام الجزئيّة في الوقائع الشّخصيّة الغير المتناهية لأنّ الفقه هو التّصديق بالأحكام عن الأدلّة ومتعلّق التّصديق المكتسب من الادلّة ليس الّا الأحكام الكلّية وامّا الأحكام الجزئيّة في الوقائع الشّخصيّة فانّما تعلم بتصوّر انطباق تلك الكليّات المعلومة من الأدلّة عليها وقد مرّ فيما سلف انّ ذلك تصوّر للموضوعات وليس من التّصديق في شيء فبعد التّصديق عن الأدلّة بالقواعد والاحكام الكليّة لا تصديق جديد اصلا وامّا استنباط الفروع الجزئيّة من تلك القواعد الكليّة فليس الّا عبارة عن التّصوّر ومعرفة الموضوع على وجه التّفصيل وامّا التّصديق بحكمه فقد كان حاصلا من قبل في ضمن تلك الكلّيّة ولم يحدث هنا تصديق جديد وقد مرّ انّ هذه التّصورات منها ما هو بديهىّ ومنها ما هو نظرىّ ويختلف مراتب النّظرى بحسب الظّهور والخفاء حتّى ربّما ينتهى في الخفاء والدّقّة الى ما لا يصل اليه الّا الأوحدى وانّ اغلب مشاجرات العلماء بحسب تقارب انظارهم وتباعدها انّما هو في هذه المرحلة فالفقه عبارة عن التّصديق بالأحكام الكليّة عن ادلّتها والفقيه من له التّصديق بها بل لا بدّ مع ذلك من التكرّر والممارسة بحيث يكون راسخا في نفسه ويصير ملكة وان لم يعرف الأحكام الجزئيّة في الوقائع الشخصيّة على التّفصيل بل المعرفة بها غير معقول في حقّ احد لكونها امورا غير متناهية فالمورد لمّا خلط بين الأمرين ولم يميّز بينهما اورد عليه بانّ المراد بالاحكام ان كان هو الجميع خرج اكثر الفقهاء ان لم يخرج كلّهم زعما منه انّ المراد هو العلم بجميع الأحكام الجزئيّة الغير المتناهية باسرها وقد عرفت فساده وعلمت انّ المراد هو العلم بجميع الاحكام الكليّة باسرها ولا ضير فيه لأنّها امور محصورة معلومة وان توهّم متوهّم انّ اكثر العلماء لا يعلمون بها ايضا فهو ناش من قصور ذلك المتوهّم وعدم بصيرته بشان الفقهاء وجلالتهم أ يظنّ جاهل انّ الشّيخين او السّيدين او المحقّقين او الشّهيدين او آية الله العلّامة ونظرائهم من العلماء والاساطين قدّس الله اسرارهم لم يكونوا عالمين بجميع القواعد والأحكام مع انّهم حملة الدّين وحفّاظ شرع سيّد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعلى اهل بيته اجمعين أ فلا ينظر هذا الجاهل الى كتبهم المدوّنة قد صنّف واحدهم من اوّل الطّهارة الى آخر الديات كتبا عديدة لو تأمّلت وكنت اهلا للتّامّل فيها لرأيت انّه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الّا احصيها او يظنّ هذا الجاهل انّهم اثبتوا فيها ما لا يعلمون وافتوا بها وهم لها جاهلون حاشا فانّ ساحة جلالتهم منزّهة عن ذلك ولو فرض
