العدم فاذا اشتبه حاله من جهة طريان الوجود عليه وبقائه على عدمه الأزلىّ يبنى على عدمه ويرتّب عليه جميع آثار العدم ولا يحكم عليه بشيء من آثار وجوده ما لم يقم دليل على وجوده والسّر في ذلك ما عرفت من انّ الممكن مقتضى ذاته العدم والوجود هادم لهذا الاقتضاء فلا يرفع اليد عن يقين الاقتضاء باحتمال الهادم من دون فرق في ذلك بين احتمال طروّ الرّافع او القاطع او المانع او رافعيّة الطّارى وقاطعيّته ومانعيّته بعد احراز المقتضى بالعلم واليقين ومنه يعلم انّه بعد اليقين بطروّ الوجود وقيام مقتضيه لو شكّ في طريان العدم عليه من جهة احتمال الرّافع او القاطع او المانع كان الاصل الوجود وعدم الاعتناء باحتمال انهدامه فيرتّب عليه جميع احكام الوجود ولا يحكم عليه بشيء من آثار العدم من جهة هذا الاحتمال فالمراد باصالة العدم المسلّمة هى اصالة عدم المانع او القاطع او الرّافع سواء كانت جارية في الموجودات او المعدومات فالقول بانّ الاصل في الممكنات مطلقا هو العدم من الأغلاط اذ الوجود في الممكن ربّما يكون هو الاصل كما عرفت فاصالة العدم لا يراد بها الّا اصالة عدم المانع ومعناه عدم رفع اليد عن المقتضى باحتمال المانع والرّافع او القاطع وهذا هو الّذى يسمّى عند السّلف بالإطلاق والعموم والاستصحاب على ما هو محرّر في محلّه.
الثّالث انّ الأصل المثبت لا حجّيّة فيه واشتهر في هذه الاعصار انّه حجّة في باب الالفاظ وهو اشتباه منشائه توهّم انّ اثبات الأصل عبارة عن ترتيب الآثار الغير الشّرعيّة عليه وهذا لا يكون معتبرا حيث يثبت حجيّة الأصل من الشّرع تعبّدا كالاستصحاب المأخوذ حجيّته من الاخبار المعروفة تعبّدا فانّ مفادها تنزيل المشكوك منزلة المعلوم ومرجعه الى الحكم بترتيب آثاره عليه في مرحلة الظّاهر والحكم بثبوت ما لا يرجع الى الشّارع في مرحلة الظّاهر ممّا لا معنى له فلا يتصوّر الّا بالنّسبة الى الأحكام الشّرعية الرّاجعة امرها الى الشّرع اثباتا ونفيا وامّا اذا كان حجيّة الأصل غير ماخوذة من الشّرع تعبّدا بل كانت مستفادة من بناء العقلاء كاصالة العدم وساير الأصول الجارية في باب الألفاظ فلا يكون فرق في الآثار والأحكام المترتّبة عليها بين الشّرعيّة والعقليّة والعاديّة اذ التعبّد في بناء العقلاء غير معقول فلا يكون امر الأصول العقلائيّة الّا كامر ساير الأمارات والأدلّة الاجتهاديّة في عدم التّفرقة بين اثبات الآثار الشّرعيّة وغيرها ويردّه اوّلا انّ معنى تنزيل شيء منزلة شيء اقامته مقامه وجعله هو هو وترتّب اثره عليه فرع هذا المعنى وليس معنى التّنزيل اثبات مماثل حكم شيء على شيء آخر بالاستقلال ضرورة انّ الحكم بوجوب الصّلاة ثمّ الحكم بوجوب الصّيام ليس تنزيلا للصّيام منزلة الصّلاة فالتّنزيل ليس الّا الحكم بكون شيء عين شيء آخر فيلزمه ترتّب حكمه عليه قهرا ومن المعلوم انّ اثبات عينيّة شيء لشيء آخر امر غير معقول فضلا عن ان يكون امرا راجعا الى الشّارع فلو كان المانع من ثبوت الأثر العقلىّ او العادىّ انّه امر غير شرعىّ بطل التّنزيل
