انّ السّبّ والفحش لا يخرج عمّا هو عليه في ذاته من جهة وقوعه في جواب السّبّ مجازاة وإن كان متّصفا بالحسن او الوجوب في مقامه ووضع اللّفظ تابع لما هو عليه في ذاته فهو حقيقة لا مجاز فضلا عن ان يكون مرسلا بعلاقة المجاورة في الخيال وامّا السّادسة وهى المجاورة في الذّكر فقد مثّلوا لها بقول الشّاعر قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه قلت اطبخوا لى جبّة وقميصا وهى من الكلّ اعجب اذ العلاقة لا بدّ ان تكون قبل الاستعمال ليتفرّع عليها والمجاورة في الذّكر انّما تحدث بعد الاستعمال فكيف يعقل ان تكون صحّة الاستعمال متفرّعة عليها واصلاح ذلك بمثل المجاورة وهى سبق الذّكر من سخايف الكلمات اذ لو بنى على ذلك لزم جواز التّجوز بكلّ لفظ سابق عن كلّ ما اريد وبطلانه من اجلى البديهيّات وامّا المثال فهو كامثاله المتقدّمة ليس الّا التجوّز في الأسناد فانّه نسب الطّبخ الّذى التزموه له قضاء لمطلوبه وحاجته الى الجبّة والقميص ليدلّ على انّه اليهما احوج من المطبوخ ولم يستعمل الطّبخ الّا في معناه الحقيقىّ لكن لم يرده من حيث تعلّق غرضه به لنفسه بل أراده ليسنده الى الجبّة الّتى لا يسند اليها لينتقل المخاطب الى انّ حاجته الى حصول الجبّة اشدّ نظير قولك فلان اعطانى الدّنيا وما فيها فانّك لم تستعمل الدّنيا وما فيها مجازا في الّذى اعطاك بل استعملتها في معناها الحقيقىّ لكن لم تردها لنفسها بل جعلت ارادتها توطئة لانتقال المخاطب الى انّ الواصل منه اليك بمثابة الدّنيا في المطلوبيّة وعظم المرتبة فليس اطبخوا جبّة الّا كينقضون عهد الله وطار زيد ونطقت الحال وخاض المنايا ومات الدّنيا واسأل القرية وصام نهاره وجرى النّهر وشرّقت صدر القناة من الدّم واعتق رقبة وانشبت المنيّة اظفارها وامثال ذلك في عدم التّجوّز في شيء من هذه الألفاظ لا في لفظ النّقض ولا في لفظ العهد ولا الطّيران ولا النّطق ولا الحال ولا الخوض ولا المنيّة ولا غيرها بل الكلّ مستعملة في معانيها الحقيقيّة وانّما نسبت في كلّ شيء لا ينبغى ان يسند اليه ليدلّ على نكتة مقصودة مختلفة في كلّ بحسبه فليس في لفظ الطّبخ تجوّز وتصرّف وانّما التّصرف في اسناد معناه الى الجبّة وان شئت فقل انّه استعارة في الجهة الخاصّة نظير ما عرفت في نظرائه وعلى هذا فالجبّة استعارة بالكناية والطّبخ استعارة تحقيقيّة في الخياطة مثلا بعلاقة المشابهة في المطلوبيّة فنزّل الخياطة بمنزلة الطّبخ الملتزم الموعود به فاستعار لها لفظ الطّبخ استعارة تحقيقيّة ونسبه الى الجبّة ليدلّ على تشبيهها في النّفس بالشّيء المطعوم على وجه الاستعارة بالكناية كما قالوه في ينقضون عهد الله حيث شبّه العهد في النّفس بالحبل المشدود المبرم وابطاله بنقضه فاستعير لفظ النّقض للأبطال تحقيقا وبقى العهد استعارة كنيّة لاستفادة التّشبيه فيه من التّشبيه في النّقض ولكنّ الصّواب خلاف ذلك كما مرّ مرارا والعجب انّ صاحب الفصول انكر المجاورة بمعنييها وجعلى اطلاق الطّبخ على الخياطة بعلاقة الاشتراك في المطلوبيّة واخترع من عنده علاقة اخرى وهى علاقة الاستعمال وقال لم اقف على من تنبّه لذلك ثمّ قال وهى ان يستعمل اللّفظ الموضوع لمعنى في معنى آخر لا يكون بينهما في نفسهما علاقة لكن ينضمّ اليهما بحسب بعض الموارد نكات
