كان تقول في جيدها فلا بد من ذهب او لؤلؤ ولا تقول في جيدها حبل او غل او جامعة الّا اذا نزّلتها منزلة الزّينة تعريضا مثلا كما في قوله تعالى (فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) وتقول مدّ عنقه وضربت عنقه ولا تقول ضربت جيده وتقول اعتق رقبته ولا تقول اعتق جيده او عنقه وهكذا تمام الألفاظ فانّ الإحاطة بالخصوصيّات والجهات المأخوذة فيها اجلّ وارفع بمراحل عن منتهى ادراك النّاس وقصوى افهام البشر ومع ذلك كيف يعقل ان يكون البشر هو الواضع لهذه الألفاظ لتلك المعانى لأنّ الوضع من سنخ التّعيين كما تقدّم وتعيين الشّيء للشّيء فرع تمييز الطّرفين والإحاطة بهما وقد عرفت انّها فوق مقدور البشر فإن اتّضح عدم كون الواضع هو الله تعالى او البشر بالمباشرة تعيّن ان يكون تعيّن الألفاظ للمعانى لجهات كامنة في طبائع الحروف والألفاظ مناسبة لجهات في جانب المعانى مقتضية لتعيّن كلّ مناسب لمناسبه بالطّبع وذلك بحسب فطرة النّاس المجبولة عليها حيث انّ تلك الجهات الكامنة في جانبى الألفاظ والمعانى مودعة في جبلّتهم وفطرتهم وان لم يتنبّهوا عليها او استحالت معرفتهم بها كما قدّمنا فالعلم بها كسائر اسرار الحروف وخواصّها وإن كان نظير علوم الغيب لا يعلمها كما هى الّا عالم الغيب والخفيّات ولكن يمكن التقريب على وجه يقع موردا للتّصديق على وجه الإجمال بانّ منشأ الوضع والتعيّن ذلك وذلك انّ الطّبيعة الحيوانية تدعو الى اغراض مختلفة ومقاصد شتّى والقدرة والاختيار تبعثه الى نيلها وتحصيلها فتحتاج الى آلات في الوصول اليها فيتحرّى بحسب فطرته وجبلّته في كلّ غرض آلة تناسبه بالنّسبة اليه مثلا اذا اراد قطع مسافة قطعها بارجله ولا يجرّ نفسه على قفاه او ظهره مثلا جرّا في الأرض بل يمشى بارجله مشيا عليها فان وفت بهذا الشّأن رجلاه بسهولة كالإنسان اقتصر عليهما والّا فعلى قوائمه الاربع او فصاعدا واذا لم يكن من ذوات الأرجل مشى على بطنه دون ظهره لكونه اسهل وانسب اليه منه فليس تعيّن الرّجلين للمشى في الإنسان والقوائم الأربع في الأنعام والبطون في الحيّات بجعل جاعل او وضع واضع وضعها لهذه الجهة ثمّ علّم كلّ قبيل ما يخصّهم وانّما نشاء هذا التّعيّن من تناسب هذه الأعضاء بالذّات لهذه الجهة في كلّ صنف بحسبه واذا اراد بطشا تحرّى بحسب الفطرة والجبلّة ما يناسبه كذات القرن قرنها وذات الاسنان اسنانها وبعضها يديها او رجليها ومن البديهىّ ان تعيّن قرن ذات القرن للبطش بين بنى نوعها تعيّن ذاتى طبيعى لتناسب ذاتى بينهما وليس مستندا الى جعل جاعل عيّنه ووضعه له ثمّ علّمه لها وقد يتعلّق غرضه لأفهام مقصوده الى آخر من ابناء نوعه او غيرها وقد مرّ انّ اعلام الشّيء لآخر لا يعقل الّا بواحد من طرق وحواسّه فانّ الانتقال الى ضمير الغير لا يتحقق الّا من احساس امر قابل للاحساس فما في ضمير الإنسان او الحيوان مثلا لا يدخل الى ضمير غيره الّا من طرق حواسّه امّا باحساس نفس ذلك الشّيء او ما ينوب منابه في الإحساس وحيث انّ من المحالات جعل نفس المفاهيم المرادة بذواتها بحيث يحسّها الغير تعين بعض امور ميسورة الإحساس للقيام مقامها في الحضور والإحساس كبعض الأفعال والحركات
