الخبرة والاطّلاع والوقوف والتعقّل والتفطن وغير ذلك من الالفاظ المتقاربة المعنى يشهد بانّ الفرق بين معانى هذه الألفاظ بحيث يتميّز بعضها عن بعض على وجه الكليّة والتّفصيل والمعرفة بحدودها المائزة بعضها من بعض على الوجه الأتمّ الّذى لا يبقى معه ارتياب واختلاط في مورد من الموارد ممّا لا يمكن لغير الله تعالى وهكذا الفرق والتّمييز بين معانى القسم والقصم والفصم والتّجزية والتّبعيض والكسر والقطع والفصل والابانة والجزّ والجذر والحزّ والحسم والصرم والحصد والقدّ والقطّ والشّق والفتق والفكّ والفرق والخرق والقصف والجذف والجدف والقصّ والفضّ والقضّ والقرض والفرص والشّرح والقصب والقضب والعضب والتبديد والجذّ والحذّ وغير ذلك من الألفاظ الّتى تقرب معانيها من معانى هذه الألفاظ وهكذا الحال في ما عداها فان تعدادها تطويل وما ذكرنا من المثالين يكفى في قياس البقيّة عليه وبعد التّنبّه لمّا ذكرنا ينكشف انكشافا قطعيّا انّ وضع اللّغات خارج عن طوق البشر ولا يمكن للإنسان الإحاطة بالجهات والخصوصيّات المأخوذة في معانى الألفاظ ولا يعلم النّاس الّا بعد التعلّم قليلا من كثير على وجه الإجمال ولو علمها انسان على وجه التّفصيل بحيث يعرف مواقعها لعارض القرآن واتى باكثر من عشر سور مفتريات وقد قال تعالى (لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ) لا ياتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا وليس ذلك الّا لقصورهم وعدم قدرتهم على الإحاطة بتلك الخصوصيّات الماخوذة فيها حتّى يعرفوا مواقع بعضها عن بعض وان كانت مودعة في جبلّتهم وفطرتهم فانّ فصاحة الكلام لا تدور الّا مدار ذلك وتختلف ضعفا وشدّة باختلاف القرب والبعد عن الوقوع في مواقعها الحاوية لتلك الجهات والخصوصيات فانّه كلّما قرب منها ازداد فصاحة وملاحة حتّى اذا وقعت في عين مواقعها بلغت في الفصاحة والبلاغة مقام الاعجاز كما في القرآن وصار حسنه وملاحظته من جهة القوّة والكمال كانّها انتقلت من مرحلة المعنويّة الى مرحلة الجسميّة بحيث يحسّها ويشاهدها كلّ احد حتّى العوام او الأجنبيّون عن معرفة اللّغات كالنّساء والصّبيان فانّهم يلتذّون من سماع تلاوة القرآن التذاذا بيّنا وهكذا كلّما ازداد بعدا منها ازداد ركاكة وقباحة حتّى يلتحق باصوات الحيوانات او الأغلاط أ لا ترى انّ الإنسان والبشر اسمان لشيء واحد ومع ذلك لو قلت ابو الإنسان او ابن الإنسان كان ركيكا بخلاف ابو البشر او ابن البشر وربّما لا يحسن في بعض المقامات ابن البشر ويحسن ابن الإنسان كمقام التّوبيخ مثلا فانّك لو قلت ابن البشر لم فعلت كذا كان ركيكا غير مناسب بخلاف ما لو قلت ابن الإنسان لم فعلت كذا كان مناسبا وحسنا فنعلم من ذلك انّ بين الإنسان والبشر فرقا من حيث المعنى وانّ في كلّ جهة وخصوصيّة مأخوذة بها يفارق الآخر وان لم نعرفها تفصيلا واضح ومن ذلك مثلا الجيد والعنق والرّقبة اسماء لعضو مخصوص ومن البديهىّ انّ كون كلّ واحد منها اسما لذلك العضو باعتبار جهة وخصوصيّة لا توجد في الأخر وان لم تعرف هذه الخصوصيّة بحدودها المفصّلة فانّا نرى انّ الجيد يناسب مقام الزّينة والحسن
