الأوّل قد عرفت حقيقة الوضع وانّما اختلفوا في تعيين الواضع ومحلّ الكلام هو اللّغات الاصلية لا الأعلام الموضوعة فانّ واضعها معلوم بالبداهة فقيل انّ الواضع هو الله وقيل بالهامه ونقل عن سليمان بن عبّاد انّ الوضع للمناسبة الذّاتية وما يحكى عنه انّ دلالة الألفاظ ذاتيّة مرجعه الى ذلك اى كون وضعها وتعيّنها لمعانيها ذاتيّة فتكون دلالتها ايضا كذلك لاستنادها الى الوضع ولعلّ مرجع القولين الأوّلين ايضا الى مقالة سليمان لوضوح انّ الله تبارك وتعالى لم يضع الألفاظ لمعانيها بالمباشرة والّا لاخبر عنه الانبياء ونقل عنهم نقلا شايعا كسائر ما اخبروا به من الأحكام والآداب والقصص وغيرها فليس نسبة الى الله في لسان هذا القائل الّا كنسبة ساير الامور اليه تعالى من نزول المطر وهبوب الرّياح ونموّ النّباتات وامثال ذلك ممّا لا يحدث بمباشرة النّاس بل بالأسباب العاديّة والمقتضيات الطّبعيّة الجارية على مقتضى الخلقة الإلهيّة فاذا كان تعيّن الألفاظ لمعانيها بالطّبع من جهة مناسبات ذاتيّة مودعة في طبائعها من الله تبارك وتعالى كان من هذا الباب وهو عين مقالة سليمان فغرض ذلك القائل انّ الأوضاع ليست من مجعولات البشر وانّما هو امر حادث من جانب الله باسبابه المقتضية له وهى تلك المناسبات الذّاتية وكذا من يقول انّها بالهام الله تعالى لا يريد انّ الالهام بنفسه احدث الوضع فانّه لا معنى ولا محصّل له ولا انّ نبيّا من الانبياء باشر الوضع بالهام الله تعالى فانّ ذلك ايضا يفضى بالنّقل الشّائع من ذلك النّبى ص بل غرضه انّ الإلهام طريق الاطّلاع عليه وذلك لان تلك المناسبات الكامنة في طباع الحروف والألفاظ وإن كانت مودعة في جبلّة الإنسان وفطرته الّا انّها امور خفيّة لا يعلمها ولا يحيط بها الّا علّام الغيوب ولا طريق للبشر اليها الّا الالهام من الله تعالى ولعلّ هذا عين مقالة سليمان اذ لم يدّع ازيد من مجرّد استناد الوضع الى المناسبات الذّاتية وامّا حال تلك المناسبات وكيفيّة تفاصيلها فلا تعرض لها فيما حكى عنه وكيف كان فكون الوضع وتعين الالفاظ بازاء المعانى لمناسبات كامنة في ذوات الحروف والالفاظ ممّا يقضى به الاعتبار الصّحيح وما يقال من انّ الواضع هو البشر بطلانه اوضح وافحش من ان يذكر امّا اوّلا فلانّه لو كان لنقل عنه نقلا شايعا وقضت العادة بمعرفة ذلك الواضع بحيث لم يجهله احد حتّى يقع هذا النّزاع في معرفته وتعيينه وامّا ثانيا فلانّه لو لا المناسبة الدّاعية الى التّعيّن لزم التّرجيح بلا مرجّح وامّا ثالثا فلانّ الوضع يتوقّف على تمييز المعنى عن جميع ما عداه تفصيلا وهو غير مقدور على البشر فانّ الإحاطة بالمعنى الواحد كذلك في الغالب غير ميسور على الأغلب فضلا عن جميع المعانى فانّ الإحاطة بها تفصيلا بحيث يتميّز كلّ منها عن الآخر تميّزا تفصيليّا يقصر دونها ادراك البشر ولا يمكن لغير الله جلّت قدرته سيّما على القول بعدم التّرادف والاشتراك في اللّغة كما هو الحقّ والصّواب ومن له خبرة بعلم اللّغة يعرف ما ذكرنا حقّ المعرفة فانّ المتامّل في العلم والفهم والكشف والإدراك والفقه والمعرفة واليقين والذّكاء والذّهن والشّعور والالتفات والإحساس والبصيرة والمهارة والحذاقة و
