بخلاف الغير المجعول فانّ للعقل مسرحا فيه وهو السّر في التّسمية بالعقليّة نظير ما عرفت في الحكم العقلى في مقابل الشّرعى لا انّ السّبب والمنشأ لها هو العقل لبداهة فساده ولا انّ مدرك هذه هو العقل ومدرك تلك هو الوضع ضرورة انّ مدرك الكلّ هو العقل والوضع لا يدرك شيئا وامّا تقابل العقليّة والطّبعيّة فليس تقابلا اذ الطّبعيّة قسم من العقليّة بالمعنى الّذى ذكرناه لا قسيم ولا تقابل بين العامّ والخاصّ بل انّما خصّوا بعض افراد العامّ باسم العامّ وسمّوا فرده الأخر باسم آخر لنكتة وهى انّه لمّا كان بعض افراد هذا العام نظريّا يتوقّف ادراكه على النّظر والعلم بالعلّيّة بينهما فهو في الحقيقة استدلال لا يتأتّى الّا من ذى العقل وصاحب النّفس النّاطقة كما عرفت في المثالين وبعضه ضروريّا لا يتوقّف على النّظر بل يدرك ابتداء بالطّبع كدلالة اللّفظ المسموع من وراء الجدار على وجود اللافظ وهذا امر يشترك فيه ذووا العقول وساير الحيوانات فانّها ايضا تدرك الأشياء بطباعها كالأصوات الصّادرة عنها عند ابناء نوعها بل الحيوان ربّما يميّز صوتا عن صوت في الدّلالة على الأمور المختلفة فينتقل من صوت الى معنى ومن صوت آخر الى معنى آخر فضلا عن ان ينتقل من سماع الصّوت الى مجرّد وجود صائت ومنشأ له بل كثيرا ما يعرف من الصّوت شخص الصّائت ويعرف مقصوده وتوهّم انّ هذا الاستدلال من الحيوان فاسد بل ليس الّا ما ذكرنا من انّ الضّروريّات قد تدرك بالطّباع من دون نظر ويشترك فيه الحيوان او النّاطق فسمّوا النّظرى بالعقلى لاختصاصه بذوى العقول والضّرورى بالطّبعى لاشتراك غير ذوى العقول فيه فحصل التّقابل بينهما من هذه الجهة اذ النظرى مقابل للبديهىّ ولا يخفى انّ الضّروريّات تختلف بحسب الأنواع والاصناف وليس كلّ ضرورى يدرك بالطّبع يشترك فيه كلّ صاحب طبع من انسان وحيوان أ لا ترى انّ اخ يدلّ بالطّبع على التضجّر واح اح على وجع الصّدر ولا يعرفه الحيوانات وبعض الأصوات المخصوصة يدلّ بالطّبع على مقصود الصّائت من الحيوان عند حيوان آخر من نوعه ولا يعرفه الإنسان ولا حيوان آخر من غير نوعه وقد يوجد شيء يشترك فيه الجمع كدلالة الصّوت على مجرّد منشإ له فانّه يعرفه اغلب الحيوانات وكيف كان فقد اتّضح بما ذكرنا فساد بعض الأمثلة الشّائعة كالتّمثيل للطبيعيّة الغير اللّفظية بدلالة سرعة النّبض على الحمّى اذ عرفت انّها عقليّة لكونها نظريّة وللعقليّة بدلالة دين المسموع من وراء الجدار على وجود اللافظ لما عرفت انّها طبعيّة لا عقليّة وهكذا يظهر غيرهما بالتّامّل في ما ذكرناه فانّ المعيار في الوضعيّة بمجعوليّة العلاقة وفى العقليّة بالذّاتيّة النّظرية وفى الطّبعيّة بالضّروريّة وبذلك اتّضح ايضا فساد ما يورد على هذا التّقسيم من انّه إن كان باعتبار سبب الدّلالة لم ينطبق الّا على الوضعيّة اذ الوضع سبب لحدوث العلاقة الموجبة للدّلالة لا العقل والطّبع اذ ليس لهما سببيّة لذلك كما لا يخفى وإن كان باعتبار المدرك لم ينطبق على الوضعيّة اذ الوضع لا يدرك شيئا وإن كان باعتبار موجد الدّالّ لم ينطبق على غير الطّبعيّة اذ الطّبع هو الّذى يوجد الدّال دون الوضع والعقل فانّ شيئا منهما ليس موجدا للدّالّ ووجه الفساد ظاهر
