كلّ ما ذكر خصوصيّات ناشئة من الموارد وهكذا الحال في معانى ساير الحروف وانت بالتّامّل في ما ذكرنا تقدر على استكشاف حالها ايضا فالمحصّل انّ كلّ حرف له معنى واحد لا يستعمل الّا فيه وهو في كلّ حرف تعيين وجه من وجوه استعمال ما دخل عليه فالباء آلة لجعل استعمال مدخوله في محلّ الارتباط بالفعل فهى كالعلم المنصوب بجنب مدخوله ليدلّ على انّ للفعل ارتباطا به ومن آلة لجعل مدخوله في محلّ الابتداء والى آلة لجعل مدخوله في محلّ الانتهاء ففى قولك سرت من البصرة الى الكوفة لفظة من علامة على انّ ذكر البصرة هنا لكونه مبدا السّير ولفظة الى علامة على انّ ذكر الكوفة لكونه منتهى السّير وهكذا ساير الحروف فكلّ ذلك وجه من وجوه استعمال الأسماء تحدث بعد الاستعمال والحروف آلات لاحداثها لا كواشف عنها نظير كشف الأسماء عن معانيها ومن هذا القبيل وضع الأعراب ايضاً.
فانّ الفرق بين الأعراب والحروف ليس الّا في انّ الحروف الفاظ والأعراب عرض وحال والّا فهى مثل الحروف من جميع الوجوه فالرّفع والنّصب والجرّ علائم لأحوال مدخولها الّذى وقع استعماله عليها ففى قولك ضرب زيد عمرا الرّفع في زيد علامة على انّ ذكره في هذا الكلام لكونه فاعلا للفعل والنّصب في عمرو علامة على انّ ذكره لكونه مفعولا وهكذا في ساير الأحوال الأعرابيّة فانّ كلّا منها علامة لوجه من وجوه استعمال مدخوله فهى آلات لجعل استعمال المدخول على وجه خاصّ فالفاعليّة في لفظ زيد امر يحدث من ذكره مرفوعا وكذا المفعوليّة بذكره منصوبا وكون لفظ زيد فاعلا [عبارة اخرى عن وقوعه في الكلام موقع الفاعلية وهو ما] عبارة اخرى عن كون استعماله على هذا الوجه ووجه الاستعمال يتحقّق بنفس الاستعمال لا انّه معنى يكشف عنه الاستعمال فقد اتّضح ممّا ذكرنا انّ الحروف والأعراب والهيئات الاشتقاقيّة آلات لأحداث المعانى في مدخولاتها وكواشف عن جهات استعمالها كشفا انشائيّا لا كشفا حكائيّا فمثل معانى تلك الأداة كمثل التّكلّم والخطاب والأخبار والإنشاء ونحوها فانّ كون الشّخص متكلّما امر يحدث بالطّبع من ايجاده الألفاظ كما انّ كونه مخاطبا امر يحدث من توجيه الكلام نحوه والأخبار امر يحصل بايجاده الكلام الخبرىّ والإنشاء بالإنشائيّ فبما فصّلناه اتّضح لك معنى قول امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وآله اجمعين في حدّ الحرف هو ما اوجد معنى في غيره وانّ ماهيّة الحرف هى الّتى شرحها عليه السّلم وانّه البيان الّذى فوق بيان كلّ ذى علم كما اتّضح ايضا متانة ما حقّقه نجم الأئمّة من انّ الحرف لا معنى له وانّما هو كالعلم المنصوب في جنب شيء الخ وكذا قوله انّ الحروف محدثة المعانى في لفظ غيره الى آخره فانّه مأخوذ من الرّواية الشّريفة واتّضح ايضا وجه التّسامح في التّعريفات الأخر ووجه صحّة ارجاعها الى ما ذكرناه منها قولهم ما دلّ على معنى له في نفسه وجه التّسامح ما عرفت انّ الحرف لا معنى له ولا دلالة ووجه صحّة ارجاعه هو الصّفح عن التّسامح المذكور لقضاء الاضطرار به فيراد من الدّلالة على المعنى الكشف الإنشائيّ فيئول الى انّه ما اوجد معنى لا في نفسه اى في غيره وغرض هذا المعبّر عدم كون كشفه كشفا حكائيّا نظير كشف الأسماء عن مسمّياتها
