والخطاب صحيحا لانه يكون قضية حقيقية قد نزّل فيها موضوع الحكم منزلة الموجود ، فيصير طلبه فعليا عند وجود موضوعه.
واما الجهة اللغوية فالظاهر ان الفاظ الخطاب المذكورة موضوعة للخطاب الحقيقي ، لان المقصود من وضعها مخاطبة الغير بما في نفس المتكلم ، فانشاء الخطاب بدون قصد مخاطبة الغير حقيقة يكون مجرد لقلقة لسان ، والعقلاء يرون مثل هذا الخطاب لغوا ، فلا يكون موضوعا للخطاب الانشائي ، بل للحقيقي.
ولكن قصد الافهام غير مشترط في صحة الخطاب حقيقة ليشترط وجود من يفهم ـ وان اخذه واشترطه بعض المحققين ـ بل يكفي في صحته وجود غرض صحيح ـ كالتحسر والتأسف والشوق وغير ذلك ـ يدعو اليه ، ودليل ذلك : ان العقلاء يوجهون الخطاب حقيقة ـ لاجل الغرض الصحيح المذكور ـ الى ما لا يعقل ولا يفهم (١) تنزيلا له منزلة من يفهم حال الخطاب ، وعليه يصح تنزيل المعدوم والغائب منزلة الحاضر ويكون واردا على نحو القضية الحقيقية ، فيعم الخطاب الحاضر والمعدوم والغائب الذي يفرض وجوده حال الخطاب.
وخلاصة البحث ان الخطابات المبحوث عنها لا تعم المعدوم والغائب الا مع انشاء الخطاب مقيدا بوجود المكلف واستجماعه جميع الشرائط ، او تنزيله منزلة الموجود كما هو شأن القضية الحقيقية ، وعليه لا ثمرة مهمة في هذا البحث ، لان الحكم الثابت في حق المشافهين لا ريب في عدم اختصاصه بهم لقيام الاجماع والضرورة على مشاركة المعدوم والغائب لهم في هذه الاحكام الى يوم القيامة ، ولعموم الخطابات لهم لورودها
__________________
(١) كما ورد ذلك كثيرا في النثر والنظم مثل : (يا كوكبا ما كان اقصر عمره) ومثل (ألا ايها الليل الطويل ألا انجل) ومثل (ايا شجر الخابور مالك مورقا).
![قواعد استنباط الأحكام [ ج ١ ] قواعد استنباط الأحكام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4642_qawaid-istehkam-alahkam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)