قد نجده والله أعلم ، على ضوء ما كشفه حديثا علم السلوك الحيواني. فحتى وقت قريب كان أكثر المهتمّين بعلوم الطبيعة يظنّون أن الأحياء ، عدا الإنسان ، تسيّرها غرائزها ـ أي التصرّفات السلوكيّة التي لا تتطلّب تعلّما مسبقا ، والمبرمجة من خلال ثروتها الوراثيّة المودعة في كلّ نوع منها ، فلا وجود عندها لأيّ تصرّف ذكيّ تفرضه ظروف مستجدّة طارئة إذا لم يكن هذا التصرّف مبرمجا بواسطة الثروة الوراثيّة عندها. والدارسون اليوم للسلوك الحيواني يقفون مذهولين أمام الكثير من تصرّفاتها التي لا يستطيعون شرحها من خلال الرجوع إلى الغريزة ، فهي تصرفات ذكيّة غير غريزيّة بل هي وليدة الساعة والظروف المستجدّة ، وهي مقتصرة على بعض أفراد من النوع وليس كلّ أفراد النوع ، كما هي الحال في التصرفات الغريزيّة.
في الأمثلة التالية المستقاة من علم السلوك الحيواني عن بعض التصرّفات الذكيّة غير الغريزيّة عند الحيوان ما يلقي بعض الضوء على معنى من معاني قوله تعالى (ثُمَّ هَدى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى) :
* بعض أفراد من القردة وليس كلّها ، عند ما يصعب عليه الوصول إلى عسل خليّة النحل يقطع غصنا من شجرة ثم يستخدمه كملعقة للوصول إلى غايته ، وبعضها الآخر يدافع عن نفسه بالتسلّح بعصا عند ما تهاجمه النمور ، وهذه التصرّفات غير الغريزيّة المقتصرة على أفراد من النوع تسمّى بالتصرّفات الذكيّة عند الحيوان.
* علقت رجل طير من طيور السنونو بخيط وبقي معلّقا في الهواء ، ولم يفكّه من قيده إلا نجدة رفاقه الذين لبّوا بالعشرات أصوات استغاثته ، وبواسطة ضربات متتابعة من مناقيرها استطاعت أفراد السنونو قطع قيده أمام أعين الذين لم يصدّقوا ما شاهدته أعينهم!
قارض شبيه بالجرذ (Hamster) تبنّت أنثاه جرذا وليدا يتيما ماتت أمّه وتركته وحيدا وأرضعته ، وكذلك الهرّة التي تبنّت وأرضعت سبعة أرانب صغارا ماتت عنهم أمّهم ، وغير ذلك من الأمثلة العديدة المذهلة عن تصرّفات التبنّي
