وإلى جانب سيرة بيپرس ألّف محيي الدّين كتابا آخر عن حياة الملك المنصور قلاوون ، سمّاه : «تشريف الأيام والعصور في سيرة السّلطان الملك المنصور» ، وبعده كتب أيضا : «الألطاف الخفيّة من السّيرة الشّريفة السّلطانيّة الأشرفيّة» ، عن عهد السّلطان الأشرف خليل بن قلاوون ، الذي تولّى السّلطنة عام ٦٨٩ ه إثر وفاة أبيه السّلطان قلاوون. فعاصر بذلك سبعة من سلاطين الدّولة المملوكية الأولى ، من المعزّ أيبك إلى الأشرف خليل ، وأرّخ لسير ثلاثة منهم.
* * *
يجمع المؤرّخون على أن الظاهر بيپرس كان واحدا من ألمع شخصيات التاريخ الإسلامي في العصور الوسطى ، قام في سنوات حكمه التي دامت ١٧ عاما بأعمال باهرة ، فكان المؤسّس الفعلي لسلطنة عظيمة امتدّت من حدود النّوبة إلى نهر الفرات ودامت ٢٧٥ عاما (٦٤٨ ـ ٩٢٣ ه). تزامن قيام هذه السّلطنة مع قضاء أمراء المماليك على الحملة الصليبية السّابعة بقيادة الملك لويس التاسع ، إثر معركة المنصورة عام ٦٤٨ ه ، ثم سحقهم لجيش التّتر في عين جالوت بالغور عام ٦٥٨ ه ، حيث كان لبيپرس دور كبير كما رأينا أعلاه في نصّ الصّارم.
ثم لّما تربّع بيپرس في سدّة حكم دولة المماليك ـ وهو رجل حرب من الطراز الأول ـ صمّم على اقتلاع شأفة الفرنجة ، وباشر على الفور في تنفيذ هذا المهمّة دون تلكّؤ. بعد ضربات موجعة في نحرهم ، استطاع أن يستخلص منهم قيساريّة وأرسوف وصفد ويافا وشقيف أرنون وأنطاكية ، فانحسرت إمارة أنطاكية وطرابلس اللاتينية إلى مجرد كونتيّة طرابلس. ثم تمكّن من انتزاع حصن صافيتا وبعده حصن الأكراد (قلعة الحصن في أيامنا) وعكّار.
فتحت هذه الانتصارات الباب على مصراعيه لتقويض الوجود الفرنجي في بلاد الشام بشكل نهائي ، ففي عام ٦٨٨ ه فتح المنصور قلاوون طرابلس ، ثم سقطت عكّا ـ عاصمة «مملكة القدس» وآخر معاقل الفرنجة ـ بيد ابنه الأشرف خليل عام ٦٩٠ ه ، لينتهي إلى الأبد الاحتلال الصليبي للمشرق الإسلامي.